صيغة الشمري
في وقت أعلنت المملكة 2026 عامًا للذكاء الاصطناعي، حضور 8 مدن سعودية في مؤشر المدن الذكية العالمي ليس مجرد رقم عابر لا يمكن الوقوف عنده، إنما رسالة واضحة بأن التحول أصبح واقعًا يُعاد تشكيله على أرض الواقع عبر خطط مدروسة وإستراتيجيات محكمة، وعقول ماهرة تعمل لتحقق الإنجاز، فحين تتقدم الرياض إلى المرتبة 24 عالميًا، وتلحق بها مدن بحجم مكة المكرمة وجدة والمدينة المنورة، فإننا أمام مشهد حضري جديد تُدار فيه المدن بعقل رقمي، وليس بأدوات تقليدية.
وفي اعتقادي، أن هذا التقدم لا يمكن فصله عن مستهدفات رؤية المملكة 2030، التي وضعت جودة الحياة في قلب التنمية، وربطت بين التقنية والإنسان بشكل مباشر، فالمدن الذكية ليست تلك التي تكثر فيها التطبيقات فقط، بل التي تنجح في تحويل البيانات إلى قرارات، والتقنية إلى راحة يومية للمواطن، وهنا، يبرز مؤشر IMD كأداة تقيس نبض السكان قبل أن تقيس البنية التحتية، وهو ما يمنح هذه النتائج مصداقية مضاعفة. وإذا نظرنا لتقدم بلادنا في هذا المجال، نجد أن التقدم ليس في المدن الكبرى فقط، إنما تعداها إلى ظهور مدن مثل العلا التي قفزت قفزة نوعية وأكدت تقدمها المستمر لتكون ضمن المدن ذات الثقل، كما أن حائل وحفر الباطن دخلت للمرة الأولى في هذا التصنيف في تأكيد على أن الإنجاز سيكون شاملاً مدن المملكة، فهذه المؤشرات تعكس تحولًا أعمق يؤكد توزيع التنمية، وكسر مركزية المدن الكبرى، وإعادة تعريف مفهوم المدينة الذكية ليشمل الأطراف لا المراكز فقط.
وعلى الرغم من هذا التقدم، يبقى التحدي الحقيقي في الاستدامة، فالمدن الذكية لا تُقاس بترتيب سنوي، بل بقدرتها على الحفاظ على هذا التقدم، وتطويره، ومواكبة التغيّرات المتسارعة في عالم التقنية، كما أن الذكاء الاصطناعي، رغم أهميته، يجب أن يوظّف بوعي يوازن بين الكفاءة والخصوصية، وبين السرعة والإنسانية.
وفي تقديري، ما يحدث اليوم في المدن السعودية يمثِّل إعادة صياغة لعلاقة الإنسان بمدينته، فالمدن تفهم سكانها، وتستجيب لاحتياجاتهم، وتسبق توقعاتهم. وبالتأكيد عندما تصل المدن إلى هذه المرحلة، فإنها تصبح قادرة على صناعة المستقبل.

