محمد ناصر العطوان
قبل البدء في سرد نص المقال، أود إيضاح موقف مبدئي لا لبس فيه: إنني أتمنى زوال النظام الإيراني تماماً كما أتمنى زوال الكيان الصهيوني، وأنا أقف قلباً وقالباً، وبكل جوارحي، مع دولنا في مجلس التعاون الخليجي في كل موقف وخندق.
عزيزي القارئ الهمام، يا من تكالبت عليك اللئام... يبدو أننا نعيش اللحظة التي قرر فيها «العم سام» أن يضع كل بيضه في سلة واحدة، وهي سلة مثقوبة بالأساس.
ما يحدث اليوم في المواجهة المباشرة مع إيران ليس مجرد جولة أخرى من صراعات الشرق الأوسط المملة التي طالما قادتها إيران وأميركا وإسرائيل، بل هو كما يهمس المطلعون في أروقة القرار الغربي، أكبر خطأ إستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.
إنها اللحظة التي قررت فيها أميركا أن تكشف «مستور» قوتها، وتضع حداً لأسطورة «الردع التكتيكي» التي عاشت عليها لعقود... فبينما كانت الطائرات من طراز «بي» «تو» (2-B) والقنابل الذكية تثير الرعب في النفوس بمجرد ذكر أسمائها في المحاكيات، جاءت هذه الحرب لتجعل الأقمار الاصطناعية الروسية والصينية تتفرج «بالمجان» على أحدث التقنيات الأميركية وهي تعمل في الميدان، تجمع الترددات، وتحلل الإستراتيجيات، وتفكك شفرات التفوق التي لم تكن تحلم برؤيتها من قريب.
العم سام الذي كان يعيش على السمعة والسيط، سيتلقى الضربة، ولكن ليس من إيران كما يتوقع محللو «...؟» العربي... ولكن من الصين وروسيا كما يتوقع الخبراء الإستراتيجيون في إسبانيا وإيطاليا وفرنسا.
إن المفارقة تكمن في أن أميركا، التي كانت تظن أنها ستنهي الأمر بضربة خاطفة، وجدت نفسها في حرب استنزاف.ففي غضون أسابيع قليلة، أطلقت مئات الصواريخ التي تتجاوز تكلفتها المليارات. والأدهى من ذلك، أن الحلفاء التقليديين في أوروبا، كإيطاليا وإسبانيا، بدأوا يغلقون أبوابهم وأجواءهم في وجه الطائرات الأميركية، خوفاً من الانزلاق في أتون حرب لا ناقة لهم فيها ولا جمل، مما ترك واشنطن وحدها في محاولاتها لإيجاد قواعد بديلة.
وسط هذا الضجيج، تبرز المقاربة الحكيمة لقادتنا في دول مجلس التعاون بعدم الانخراط الفعلي في هذا الصراع.
لنبقى في وضعية الدفاع من العدوان الإيراني الغاشم، لأن النظام الإيراني سيسقط في كل الأحوال... سواء على يد ترامب ونتنياهو أم على يد الإيرانيين في الداخل... ولكن المراهنون على أن سقوط النظام الحالي في طهران سيأتي بـ «جيران من الملائكة»، عليهم أن يراجعوا دروس التاريخ والواقع جيداً. إن البديل القادم، سواء كان ملكياً أو قومياً متشدداً، قد يحمل من العنصرية تجاه العرب ما يفوق بمراحل خلافات النظام الحالي الأيديولوجية.
هؤلاء القوميون لا يخفون أحلامهم في إحياء الإمبراطورية الفارسية العظمى، ولا يترددون في المجاهرة بمطامعهم في البحرين والجزر الإماراتية، بل ويعتبرون الخليج بحيرة فارسية خالصة.
إنها حرب أميركا الأخيرة في منطقتنا قبل أن تولي وجهها شطر المحيط الهادئ لمواجهة التنين الصيني، فلا نكون نحن الحطب الذي يحترق لتأمين انسحابها... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر... وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

