: آخر تحديث

الشاهبندر والقبنجي وإيران

6
6
6

طُلب منه أن يثبت صحة وطنيته، سأل كيف؟ فقالوا أن يحرق أطراف أصابعه! فحرق تسعة منها، وانطفأت النار! سألهم إن قبلوا بصدق وطنيته؟ فردوا بـ«لا»، لأنه لم يحرق الإصبع العاشر! وبالتالي من في قلوبهم مرض لا يمكن إقناعهم بوطنيتك، سواء كنت سنياً أو شيعياً أو شيوعياً. فالخيانة لا مذهب لها، وشاهدنا صوراً منها خلال الاحتلال الصدامي الحقير، وكانوا من مختلف الانتماءات، وهذا يحصل في أي مجتمع.

من يطالبون المنتمين إلى مكوّن محدد بأن يثبتوا ولاءهم لوطنهم، وليس لإيران، لا يدركون أن طلبهم والوهم سواء. فلا أسهل من التصريح، بأي طريقة كانت، بالولاء للوطن والعداء لغيره، ويكون القلب في مكان مختلف، فالمنطق يعطي الإنسان العذر في أن «يكذب» إن شكّل قول الحقيقة خطراً على حياته. وبالتالي قد يكون الصامت أكثر ولاءً لوطنه، من ذلك الذي دبَّج المقالات وصاغ الأشعار حباً في وطن. علماً بأنه لا يجوز أصلاً استثناء أي مكون من هذا الطلب «غير المنطقي»، فالانتماء لمذهب أو قبيلة أو جنس أو عرق، لا يعني الولاء المطلق للوطن، ولا العكس. والأفضل في هذه الحالة تجنّب مثل هذه المطالبات «غير المعقولة»، والإقرار بأن الولاء أمر مفروغ منه، ومن يثبت عليه خلاف ذلك يدان، وينال عقابه.

* * *

سبق أن عرفت الكويت حالات عدة من الولاء «السياسي» لقوى خارجية، وتم التعامل معها بحكمة، وترحيل البعض منها للجهات التي كانوا يوالونها، ليتبيّن لهؤلاء تالياً، أن موالاتهم لم تكن عقلانية، فبذلوا جهوداً كبيرة للعودة لـ«وطنهم!».

أما الموالون لإيران، كمرجعية دينية فقط، فقد كانوا تاريخياً قلة، فمرجعية النجف كانت صاحبة الحصة الكبرى، في الولاء وفي أموال الخمس، لكن النسبة لمصلحة إيران ازدادت مع الثورة الخمينية، ومعها أصبح هناك خلط بين الولاء السياسي والولاء المذهبي، لتضيع الحدود، ويكثر الجدل، ويزيد الميل للتجاوز، مع نمو الاعتقاد بأن إيران هي الأم، وهي التي سترفع من قدر الشيعة في أوطانهم، وتحميهم وقت الحاجة، ولكنهم كانوا مخطئين تماماً، وكانت النتيجة كشف الخلايا والعصابات والفرق، التي أرادت الشر بنا.

المعضلة التي لا يود هؤلاء إدراكها، أن «الكويت»، الوطن والكيان، هي كالصحة، لا نعرف قيمتها إلا بعد فقدها، وهذا ما جربه الكثيرون خلال أشهر الاحتلال، كما أن الوطن كالأم لا نعرف قيمتها إلا بعد فقدها، فهؤلاء الذين أعلنوا، جهراً أو خفية، ولاءهم لإيران، لسبب أو لآخر، هم بالنسبة لها، كما أثبتت الوقائع، ليسوا أكثر من عملاء أو أدوات، أو بالأحرى خونة أوطان.

يقول السياسي العراقي المعروف عزت الشاهبندر، الناشط الشيعي العراقي والقيادي السابق في حزب الدعوة، إنه حارب مع القوات الإيرانية في حرب 1980–1988، وكان مسؤولاً عن شؤون بعض العراقيين المقيمين في إيران، وعاش في إيران لمدة عام ونصف العام، كانت تجربة تغمرها الإهانات والاحتقار للعراقيين، فقد ذهب لإيران للقتال ضد بلده، لكنه، وفق قوله، في مقابلة على اليوتيوب، تعرّض لإهانات وبصق، وضُربت جوازات السفر على وجوههم، وحرموا من خدمات وامتيازات، حصل عليها الإيراني، حتى أطفالهم لم يُقبلوا في المدارس.

كما حارب رجل الدين العراقي الشيعي أحمد القبنجي، ابن الأسرة النجفية المعروفة، في صف إيران، ضد وطنه العراق، وخرج منها مشلول الذراع، وبسبب آرائه الإصلاحية، التي لم تعجب إيران، اعتقل وسجن في زنزاناتها لسنوات، لم تشفع له سيرته وتاريخه الحربي، وتم التعامل معه، غالباً، كـ«خائن»!


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد