كارولين كامل صحافية وكاتبة مصرية شابة. تعرَّفت إليها عبر «فيسبوك» أولاً، ثم التقينا عندما جاءت إلى إقامة أدبية في باريس. قنبلة سمراء موقوتة. إذا فككت صمام أمانها تفجَّرت حياة وجمالاً ومواهب. قرأت لها روايتها الأولى «فكتوريا» الصادرة عن دار «الكرمة» وخفت عليها من جرأتها. سجَّلت من دون وجل ما تعيشه مراهقة قبطية في مصر وهي تتشابك مع محيطها. العائلة أولاً ثم المدرسة والشارع.
حملت لي صديقتي هدية لطيفة من القاهرة. كتيّب صغير لوصفات الطعام. ملحق كانت مجلة «حواء» تقدمه لقارئاتها بمناسبة رمضان. صفحات يعود تاريخها إلى الخمسينات، اصفوفرت لكنها ما زالت دافئة ومفيدة. سقى الله تلك الأيام التي كانت أمهاتنا ينتظرن وصول المجلة إلى بغداد ويعرفن أمينة السعيد رغم أن أغلبهن لا يجيد القراءة.
تتردد كارولين على سوق ديانا في وسط البلد. تنبش بين أكداس الصحف والكراريس العتيقة التي تخلى عنها أصحابها. تعثر على رزمة رسائل تبادلها زوجان قبل عقود عدة. ذهب صلاح للعمل في العراق وكان يرسل إلى فاطمة مكاتيب كثيرة. يبثُّها أشواقه ويحكي عن يومياته. أخذت كارولين الخطابات بقروش وقررت تحويلها إلى رواية.
أسأل «غوغل» عن سوق ديانا فيجيب أنه مكان «تختلط فيه رائحة الورق العتيق بأصوات الباعة. يشعر من يزوره وكأنه يعبر بوابة تقوده إلى زمن آخر. ليس السوق مجرد مكان لبيع الأشياء القديمة بل مساحة لالتقاط أثر الإنسان، ومراجعة ذاكرة مدينة كاملة، وربما ذاكرة قلوب لم تعد موجودة». يخبرني أيضاً أن «كارولين كامل تخرجت في كلية الآداب وتعمل في الصحافة منذ 2007. تعيش في القاهرة وتكتب القصص وتهوى التصوير وتربّي القطط». فات على «غوغل» أنها عادت للإقامة مع أسرتها في المحلة الكبرى.
في معرض القاهرة الأخير اقتنيت الكتاب وحضرت احتفال دار «المرايا» بصدوره. عنوانه «ابعت لي جواب». 280 صفحة تقع ما بين الوثيقة والرواية. استعارت المؤلفة الوقائع الواردة في الرسائل ونفخت فيها من خيالها لتؤسس نصاً أدبياً. رسمت صورة دافئة لما كانت عليه الطبقة المتوسطة في مصر قبل أربعين أو خمسين عاماً. وهناك صور مستنسخة من بعض الرسائل.
ولكي تبثّ الروح في الصورة كان لا بد من العودة إلى أعداد الصحف القديمة. كل شيء موجود في السوق الذي يفترش الأرصفة أمام سينما ديانا. ملصقات الأفلام. صور النجوم. الأغاني. الموضة. القضايا السياسية. يحكي صلاح لفاطمة عن مشاركته في حرب 73 قبل زواجه وهجرته. أطالع الكتاب وكأنني أتفرج على مسلسل لأسامة أنور عكاشة. أجيال عربية محكومة بالحروب والهجرات وفراق الأحباب.
قبل يومين كتبت صديقتي «الفيسبوكية» منشوراً جاء فيه: «كتابي وجهه وِحِشْ على الكوكب. تعاني الشخصيات من متلازمة الحرب والحب. من نكسة 1967 مروراً بحرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973. يسافروا للعراق يعملوا قرشين فيعلقوا في حرب الخليج. كله مربوط بالجوابات».

