: آخر تحديث

الرؤى العمليّة حين هزمت الشعبوية

6
6
6

يتزامن رحيل البرفسور وليد الخالدي مع حربٍ شرسةٍ على دول الخليج والأردن. عدوانٌ يرتبط بمفاهيم القضيّة الفلسطينية التي تبنى الدفاع عنها؛ وآية ذلك أنه كان مؤثراً في ملفاتٍ وقضايا عدة تخصّ القضية.

قبل رحيله كان الجدل عالياً حول تصريحات عمرو موسى، ولم يعلم الذين يهاجمونه أن هذه الآراء والتصريحات التي يتجوّل بها موسى معروفة منذ عقود.

يروي ويليام سيمبسون في كتاب «الأمير»، نقلاً عن الأمير بندر بن سلطان، أنه وفي خضمّ الترتيب لمؤتمر مدريد للسلام كان لعمرو موسى موقف مناهض، وكان حينها وزيراً للخارجية، يلخّص المؤلف القصّة بما تلقّاه من رواية الأمير بندر حيث: «بدأ - أي عمرو موسى - يصعّب الأمور علينا فيما كنا نحاول الوصول إلى جوهر الموضوع أصرّ على تقديم انتقاداتٍ قوميّة فقد كان يريد أن يدوّن في سجلّه أنه قال أشياء معيّنة، قبل ذلك الاجتماع علم الأميركيون أن من المرجّح أن يعتمد عمرو موسى موقفاً قوميّاً، وبما أن جيمس بيكر وبندر ينزلان في الفندق نفسه فقد اجتمعا قبل مجيء عمرو موسى، سأل بيكر بندر: هل تعتقد أن عمرو موسى سيحاول إلقاء محاضرةٍ علينا بعد أن التقيت برئيسه (يقصد حسني مبارك) ضحك بندر وقال: عمرو موسى قادر على القيام بأي شيء حتى إذا كان غير صحيح، يسأل بيكر الأمير بندر: وهل يغيّر ذلك السياسة؟! أجاب بندر: إن ما قاله لك الرئيس مبارك هو ما سيحدث لكن يجب أن تتحلى بالصبر وتعطي الفرصة لعمرو موسى ليقول ما يريد وسيتفق معك في النهاية، أبلغ الأمير بندر الوزير بيكر أن عليه أن يكون مستعداً لتكتيكات عمرو موسى المعهودة وأن يعد شيئاً للرد عليه، لم يكن علينا أن ننتظر طويلاً بالطبع قبل أن يلقي علينا عمرو موسى نغمته المعهودة وقدّم محاضرة طويلة لا علاقة لها بالموضوع». القصّة طويلة في الصفحات (290 - 291) من الكتاب.

الغرض من عرض هذه القصّة وفي وقت الحرب أن زمن القول واللفظ القديم في القمم والمنتديات لم يعد مجدياً؛ البديل يتمثل بمفردتين، الرؤية والعمل. كثير من السياسيين العرب يعتبرون الخطابة السبيل الأساسي للتغطية على الفشل أو نقص العمل، وهذا ما لا تنتهجه الدول التنموية الملكية الصاعدة التي تعتني بنفسها ولا تستجدي غيرها، فهي قادرةٌ على تجاوز الأزمات والدفاع عن نفسها ومقدراتها من دون أي استجداءٍ لأي موقف.

للاستطراد؛ في مؤتمر مدريد وحين تردد ياسر عرفات بالاستجابة له اقترح الدكتور الكرمي على الأمير بندر الآتي كما يروي سيمبسون: «ثمة ثلاثة رجال هم البرفسور إدوارد سعيد أستاذ التاريخ في جامعة كولومبيا وكان مؤيداً لعرفات في ذلك الوقت، والبرفسور وليد الخالدي أستاذ السياسة في جامعة هارفرد، والبرفسور هشام شرابي الأستاذ في برنامج الدراسات العربية في جامعة جورج تاون». بعد ذلك التدخّل من هؤلاء قبل ياسر عرفات بإرسال فريقٍ إلى مؤتمر مدريد.

برحيل الخالدي نستعيد مثل هذه القصص العمليّة البعيدة عن الشعارات والمزايدات العاطفيّة، الحروب التي تخاض حلّها العمل الدؤوب وترتيب الخطط لا تدوين الخطابات، مرّ زمنٌ طويل تتصارع فيه الخطابات بالقمم وتتنافس فيه الأصوات. وليس عجيباً أن يغضبَ مفكرٌ مهم مثل عبد الله بن علي القصيمي ويكتب عام 1977 كتابه الشهير: «العرب ظاهرة صوتية».

يعلّق الدكتور رضوان السيد على رحيل الخالدي الذي غادرنا قبل أيام بمقالةٍ له نشرت بهذه الجريدة تحت عنوان: «آل هيكل وآل الخالدي والعرب وإيران!» بقوله: «وليد الخالدي يعتقد أنّ السبب هو الصراع مع الولايات المتحدة للخروج من الطوق الإمبريالي، واعتبار القضية جزءاً من عملية التحرر باعتبار أن إسرائيل هي وكيلة الإمبريالية بالمنطقة. لكن مع صعود التيارات الإسلامية مثل (حماس) و(الجهاد) ما عاد عند الخالدي تحفظ في إدخال العامل الآيديولوجي. أما لدى هيكل فإنّ هذا العامل حاضرٌ منذ البداية والدستور الإيراني يتحدث عن تصدير الثورة ليس بمعنى مصارعة الإمبريالية بالدرجة الأولى، بل بدوافع دينية».

ثم يطرح مقارنته التالية: «لدى الرجلين وقد صارت آراؤهما مدرستين في العالم العربي هذا الاستخفاف وهذه الاستهانة واعتقاد التآمُر! وهما معجبان بتركيا وإيران، بخاصةٍ إيران من جانب وليد الخالدي. فإذا قيل للخالدي: لكنّ تركيا في حلف الأطلسي ولديها علاقات بإسرائيل، اعتبر أن العرب هم المذنبون لعدم إحسانهم التعامل لا مع تركيا الكمالية ولا مع تركيا الإسلامية! وفي عام 2010 في قمة سِرت بليبيا اقترح عمرو موسى، وكان الأمين العام للجامعة، إدخال تركيا وإيران عضوين مراقبين بالجامعة العربية فاعترض عليه سعود الفيصل قائلاً: لا شكّ أننا نعاني من خواءٍ استراتيجي، لكن لم يبلغ بنا الذل أن نُدخل الذئب إلى كرْمنا وهو لا يزال يعتدي علينا ويتجاهل مصالحنا!».

الخلاصة؛ أن الزمن الحالي محتواه العمل لا القول والصوت، والدول التنموية الصاعدة لا تقف عند التصريحات الشعبوية، وإنما تقوم بعملٍ جاد وتطرح نموذجاً يمكن أن يحتذى لدى جميع دول الإقليم، وما كانت التصريحات المتشفيّة مفاجئة ولكنها كانت مكنونةً في الأسارير ولكن وجد البعض في الحرب فرصةً للبوح، وهذه «شنشنةٌ نعرفها من أخزم».


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد