: آخر تحديث

بريطانيا: حين تتحوّل عثرات ستارمر إلى نمط

3
3
4

لاحظ المراقبون، من منصة الصحافيين في مجلس العموم البريطاني، أن جلسات الأسئلة الأسبوعية لرئيس الوزراء اتخذت مسار نمط متكرر: أسئلة تُطرح، وإجابات تُؤجَّل أو تُحوَّل لتعمد توجيه المجادلات إلى مسارات أخرى. لكن ما حدث هذا الأسبوع تجاوز التكرار المألوف إلى أمور تتعلق بجوهر الحكم وقدرة رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، على اتخاذ القرار الصائب.

خصَّصت زعيمة المعارضة، كيمي بيدنُوك، أسئلتها الستة لمسألة تعيين بيتر ماندلسون سفيراً لبريطانيا في واشنطن. واستندت إلى وثائق اضطرت الحكومة للكشف عنها عبر الإجراء البرلماني «الخطاب المتواضع»، لتختبر مدى سلامة قرار تعيينه، والأسس التي بُني عليها، وكذلك مدى اتساق رواية رئيس الوزراء أمام البرلمان مع ما تكشف عنه الأوراق.

كانت خطوط استجواب بيدنُوك واضحة: ماذا كان يعلم رئيس الوزراء؟ وما الذي سأل عنه قبل اتخاذ القرار؟ وكيف يمكنه الآن القول إن ماندلسون قد ضلّله؟ فإذا كان، كما أوحى ستارمر، لم يكن صريحاً بشأن علاقته بجيفري إبستين، فإن السؤال البديهي يظل قائماً: هل طُرح هذا الموضوع عليه مباشرة قبل تعيينه؟

غير أن رئيس الوزراء تجاهل تماماً هذه الأسئلة، وتعمَّد تحويل النقاش نحو موقف المعارضة من الحرب مع إيران، متهماً بيدنُوك بتغيير مواقفها. وفي إجابته عن سؤالها الأخير، تحوَّل النقاش إلى هجوم سياسي مباشر.

وتدخل رئيس مجلس العموم مرتين. في الأولى، ذكَّر بأنه ليس مسؤولاً عن إجابات رئيس الوزراء. وفي الثانية، كررها، مضيفاً أنه ليس مسؤولاً عن أسئلة زعيمة المعارضة أيضاً. وكانت الرسالة واضحة: إن الأسئلة المطروحة لا تلقى إجابات مباشرة.

وفي شرفة منصة الصحافة، لم يكن من الصعب فهم هذا السلوك. فقد بدا أن رئيس الوزراء، المحامي بالممارسة، يدرك تماماً حساسية ما يقوله، وما يتجنب قوله. فمع نشر مزيد من الوثائق، ستُقارن أقواله الحالية بما كان يعرفه عند اتخاذ القرار. وهنا يبرز أخطر اتهام في الحياة البرلمانية البريطانية، تضليل مجلس العموم. إلى جانب أن كثيرين، سواء في البرلمان أو بين المراقبين، يجدون صعوبة في تصديق أن سياسياً بخبرة ستارمر القانونية، وكان رئيساً لمكتب الادعاء العام (CPS) يمكن أن يكون قد خُدِع بسهولة خلال عملية التعيين، أو لم يطرح الأسئلة الأساسية على مرشح لمثل هذا المنصب الحساس.

المشكلة، في جوهرها، ليست حادثة معزولة، بل تتعلق بالحكم على الأمور. فالوثائق التي نُشرت تشير إلى أن تحذيرات أُثيرت بشأن المخاطر المرتبطة بتعيين ماندلسون. ومع ذلك، مضى القرار قُدماً، قبل أن يقال ماندلسون تحت الضغط، مع تلقيه تسوية مالية بلغت 75 ألف جنيه إسترليني. سياسياً، عزز ذلك الانطباع بأنَّ القرار اتُّخذ رغم التحفظات، ولم يُصحح إلا بعد فوات الأوان.

ولا يقتصر هذا الخلل في التقدير على الأفراد، بل يمتد إلى السياسات، خصوصاً في مجال الطاقة. فالتوترات الأخيرة في الخليج، بما في ذلك استهداف إيران لمنشآت غاز عربية، أعادت إلى الواجهة مسألة تأمين إمدادات الغاز لبريطانيا، في وقت تراجعت فيه القدرة الإنتاجية المحلية. وفي مثل هذه اللحظات، يصبح التوازن بين التحول إلى الطاقة الخضراء طويل الأمد، والحاجة الفورية للطاقة، حيوياً للأمن القومي.

ورغم أن موقف ستارمر الحذر تجاه إيران يعكس توجه الرأي العام، فإنه لم يترجم إلى دعم سياسي إضافي، كما بدا الدور البريطاني أكثر محدودية مقارنة بما كان عليه في عقود سابقة.

الأكثر إثارة للقلق بالنسبة لـ«داونينغ ستريت» أن الضغوط لم تعد مقتصرة على المعارضة. فداخل حزب «العمال» نفسه، بدأت تظهر مؤشرات واضحة، أهمها مساء الثلاثاء بخطاب لأنجيلا راينر، نائبة رئيس الوزراء السابقة، التي يراها يسار الحزب مرشحةً لتحدي زعامة ستارمر الأخيرة، تضمَّن انتقاداً مباشراً لبعض التوجهات الاقتصادية للحكومة. كما أبدى أكثر من 100 من نواب «العمال» استعدادهم لمعارضة خطط تتعلق بتقليص أو تجميد المزايا الاجتماعية. قد لا ترقى هذه التحركات إلى تمرد منظم، لكنها تعكس حالة قلق وانقسامات متزايدة داخل الحزب.

حتى بين المعلقين القريبين تقليدياً من حزب «العمال»، بدأ المزاج يتغير. فالتعاطف الأولي مع صعوبات الحكومة تراجع، ليحل محله تقييم أكثر تدقيقاً لقراراتها وأولوياتها.

وهكذا يجد رئيس الوزراء ستارمر نفسه أمام ضغوط متزامنة: تدقيق في قراراته، وغموض في سياساته، وتململ داخل حزبه. كل من هذه التحديات يمكن احتواؤه على حدة، لكن اجتماعها معاً يُشكِّل نمطاً يصعب تجاهله.

في السياسة، يمكن احتواء الأخطاء الفردية. أما الأنماط المتكررة، فتصبح أصعب بكثير في كسرها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد