الملف اليمني اليوم لم يعد مجرد قصة انقلاب على الشرعية أو نزاع داخلي على السلطة، بل بات مرآة كاشفة لصراعات النفوذ في المنطقة.. وبيان الخزانة الأميركية لم يكن سوى فصل جديد في رواية طويلة، فصل أعاد توجيه الضوء إلى ما خلف الكواليس، إلى شبكات التمويل، وإلى حقيقة أن استمرار الأزمة لم يكن نتاج عوامل داخلية فقط، بل نتيجة تداخل مصالح إقليمية ودولية معقدة..
لم يكن الإعلان الصادر عن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية بوزارة الخزانة الأميركية حول تورّط واحد وعشرين فرداً وكياناً في تمويل ميليشيا الحوثي مجرد خبر عابر في زحام التطورات، بل شكّل لحظة كاشفة كسرت كثيراً من الروايات المضللة التي جرى ترويجها لسنوات. فقد جاء البيان محمّلاً بالأرقام والأسماء ليزيح الستار عن شبكات كانت تعمل بعيداً عن الضوء، وليسلّط الضوء على جوانب خفية من مشهد إقليمي شديد التعقيد، ظل الشعب اليمني يدفع كلفته الباهظة من أمنه واستقراره وحياته اليومية.
الصدمة لم تكن في مضمون البيان بقدر ما كانت في توقيته ووضوحه. كثيرون –حتى أولئك الذين راودتهم الشكوك منذ أعوام– فوجئوا بحجم الشبكات المالية والداعمين الذين تبيّن تورطهم في تمويل الحوثيين. فمنذ بداية الحرب قبل نحو عقد، كان المشهد يوحي أن هذه الجماعة لا تمتلك سوى أسلحة فردية بدائية، وأنها حركة محدودة الإمكانات، تعتمد على شعاراتها الأيديولوجية أكثر من اعتمادها على القوة الفعلية. غير أن الواقع، كما تكشّف تباعاً، كان يقول شيئاً آخر تماماً: منظومة تمويل منظمة، قنوات دعم خارجية، وقدرة على الاستمرار والتصعيد لا يمكن تفسيرها إلا بوجود راعٍ أكبر يدير اللعبة من خلف الستار.
فكل من تابع مسار الأزمة اليمنية يدرك أن الحوثي لم يكن يوماً صاحب القرار النهائي. منذ اللحظة الأولى، بدت البصمات الخارجية واضحة في الخطاب، وفي التكتيك العسكري، وحتى في شكل الشعارات المستنسخة، ومع ذلك، بذلت الرياض جهوداً سياسية استثنائية لإيجاد حل سلمي للأزمة، انطلاقاً من قناعة راسخة أن استقرار اليمن جزء لا يتجزأ من استقرار الخليج والمنطقة ككل.
لقد رعت المملكة المفاوضات، واحتضنت المبادرات، ودعمت مخرجات الحوار الوطني التي وافق عليها اليمنيون بمختلف أطيافهم. هذه المخرجات لم تكن مجرد وثائق سياسية، بل تحولت إلى مرجعيات دولية، وأصبحت أرقاماً ثابتة في قرارات الأمم المتحدة. ومع ذلك، ظل الحوثي يراوغ، ينقلب على التفاهمات، ويتنصل من التزاماته.. لماذا؟ لأن القرار لم يكن في صنعاء، بل في مكان آخر، ولأن الميليشيا كانت –ولا تزال– أداة في مشروع إقليمي أوسع، لا يرى في اليمن سوى ساحة صراع يمكن استثمارها لتحقيق مكاسب سياسية وأمنية.
ومن هنا يبرز السؤال الجوهري الذي كثيراً ما يُطرح في الكواليس: هل كانت السعودية بحاجة إلى تحالف كي تدعم شرعية اليمن؟ السؤال مشروع، لكنه يكشف في عمقه عن سوء فهم لطبيعة التحدي. فالمملكة لم تلجأ إلى التحالف بحثاً عن قوة إضافية، بقدر ما فعلت ذلك لإضفاء الشرعية الدولية على تحركها، ولتؤكد أن ما يحدث في اليمن ليس شأناً ثنائياً، بل أزمة تهدد الأمن الإقليمي والدولي. التحالف كان رسالة سياسية قبل أن يكون خياراً عسكرياً؛ رسالة مفادها أن العبث بأمن الدول لن يُترك دون رد، وأن دعم الشرعية واجب جماعي، لا مسؤولية دولة واحدة.
ورغم كل التعقيدات، لم تتوقف محاولات إصلاح المسار اليمني. القضية الجنوبية، على سبيل المثال، شهدت جهوداً حثيثة للتهيئة لحل عادل ومتوازن، يأخذ في الاعتبار خصوصيتها التاريخية والسياسية. كما أن كشف شبكات التمويل التي تمد الحوثيين بالدعم، والعمل على تجميد أصولها، كان خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الخطوات، على أهميتها، لم تُبسّط المشهد بقدر ما زادت من تعقيده. فكلما انكشف طرف، ظهر طرف آخر. وكلما أُغلقت قناة دعم، فُتحت قنوات جديدة، أحياناً بأسماء مختلفة، وأحياناً بأجندات أخطر.
الأكثر إثارة للقلق أن بعض الأطراف الخارجية باتت تسعى إلى الزج باليمن في نزاعات دولية أوسع، وتحويله إلى ورقة مساومة في صراعات لا علاقة لليمنيين بها. الحديث عن إدخال إسرائيل طرفاً مؤثراً في بعض الحسابات المرتبطة بالملف اليمني لم يعد مجرد تكهنات هامشية، بل أصبح مطروحاً في بعض التحليلات الجادة، وهو ما ينذر بتحويل اليمن من ساحة أزمة داخلية إلى عقدة إقليمية تتشابك فيها المصالح الدولية على حساب شعب أنهكته الحرب.
الملف اليمني اليوم لم يعد مجرد قصة انقلاب على الشرعية أو نزاع داخلي على السلطة، بل بات مرآة كاشفة لصراعات النفوذ في المنطقة.. بيان الخزانة الأميركية لم يكن سوى فصل جديد في رواية طويلة، لكنه فصل مهم لأنه أعاد توجيه الضوء إلى ما خلف الكواليس، إلى شبكات التمويل، وإلى حقيقة أن استمرار الأزمة لم يكن يوماً نتاج عوامل داخلية فقط، بل نتيجة تداخل مصالح إقليمية ودولية معقدة.
ويبقى الأمل معقوداً على أن يكون هذا الانكشاف المتزايد بداية لمرحلة جديدة من التعامل مع الملف اليمني بقدر أكبر من الشفافية والجرأة. فاليمن يستحق سلاماً حقيقياً، لا هدنة مؤقتة، ويستحق دولة مستقلة القرار، لا ساحة مفتوحة لتصفية الحسابات. وما لم تُفكك الشبكات التي تغذي الصراع، وما لم يُعترف صراحة بحقيقة الأدوار الخارجية، سيظل السلام حلماً مؤجلاً، مهما تعددت البيانات وتكررت المبادرات.

