: آخر تحديث

اقتصاد المشاعر!

3
3
2

سمر المقرن

في السنوات الأخيرة، لم يعد التفاعل الإنساني محصورًا في إطار العلاقات المباشرة، بل أصبح جزءًا من منظومة رقمية واسعة يمكن تسميتها بـ«اقتصاد المشاعر»، حيث تتحول الحالات الإنسانية، من حزن وفرح وخيبة وأمل، إلى محتوى قابل للتداول والقياس بعدد المشاهدات والتعليقات والمشاركات.

هذا التحول لا يعني بالضرورة أن الإنسان بات أكثر زيفًا، بل إنه أصبح يعيش مشاعره في فضاء عام مفتوح، تراقبه الخوارزميات وتعيد توجيهه. فالتعبير العاطفي الذي كان يومًا فعلًا شخصيًا حميميًا، بات اليوم أداة للظهور الرقمي، ووسيلة لاجتذاب الانتباه في بيئة تنافسية مكتظة بالأصوات والقصص.

المفارقة أن المنصات الرقمية لا تميز بين الألم الحقيقي والمبالغ فيه، ولا بين التجربة الصادقة وتلك المصاغة بعناية لأجل التفاعل. المعيار الوحيد هو القدرة على إثارة الاستجابة. وبهذا المعنى، يصبح التعاطف موردًا محدودًا، يتنافس عليه الأفراد كما تتنافس الشركات على حصص السوق!

تشير هذه الظاهرة إلى تغيّر عميق في طريقة إدراك الإنسان لذاته. فبدل أن يكون الألم تجربة داخلية تهدف إلى الفهم أو التعافي، قد يتحول إلى سردية متكررة، تُعاد صياغتها وتقديمها بشكل مستمر لضمان البقاء في دائرة الضوء. ومع الوقت، قد يتسلل شعور غير واعٍ بأن الاختفاء من المشهد الرقمي مرادف للتلاشي الاجتماعي.

الأخطر من ذلك أن التعافي الهادئ لم يعد جذابًا بالقدر ذاته. فالتوازن النفسي لا يحقق معدلات انتشار، والسكينة لا تصنع ضجيجًا رقميًا. وهكذا، يُكافأ الانكسار المعلن أكثر مما يُكافأ الشفاء الصامت.

لا تكمن المشكلة في مشاركة المشاعر بحد ذاتها، فهي سلوك إنساني طبيعي وضروري أحيانًا، بل في تحوّل هذه المشاركة إلى شرط للاعتراف بالوجود، أو إلى وسيلة لتعويض نقص في الشعور بالتقدير أو الانتماء.

أمام هذا التحول، لا تقع المسؤولية على الأفراد وحدهم، بل تمتد إلى المؤسسات الإعلامية والمنصات الرقمية وصنّاع المحتوى، في ترسيخ ثقافة تحترم الإنسان بوصفه غاية لا وسيلة. فحين تُستعاد للمشاعر إنسانيتها، ويتراجع استغلالها كأداة جذب، يمكن للفضاء الرقمي أن يتحول من سوق للاستهلاك العاطفي إلى مساحة أكثر نضجًا وتوازنًا.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد