علي الخزيم
جاء الاحتفاء المُجتمعي بخبر قصة (المُعلمة المِهنِيَّة المخلصة) مع تلميذتها الصغيرة الكفيفة بإحدى محافظات شمال المملكة كتفاعل اعتيادي لما يلمسه السعوديون بين حين وآخر وبمواقع مختلفة بالمملكة من مواقف تماثل نُبْل وتضحية المعلمة (أو هي المديرة) سامية الأخلاق رفيعة الشأن رقيقة العواطف رحيمة القلب صادقة بمهنتها مع نفسها ومع تلميذاتها الصغار، وفوق هذا فهي تُطَبّق ما سارت عليه العرب من الشِّيم والسّجايا الحميدة، وهذا من أسرار التقاط أفراد المجتمع لأطراف القصة وتداولها ليس لندرتها وغرابتها؛ بل لسعادتهم ببقاء وصمود مثل هذه المُثُل العليا منذ قرون مَضت من الأجداد للأحفاد بجزيرة العرب؛ وامتدادها ـ بفضل الله ـ للبلاد العربية والإسلامية الأخرى.
وهذه المعلمة الفاضلة بصنيعها المشكور لم تبتعد عن نهج كبار علماء التربية والاجتماع من العرب والمسلمين، فذاك (محمد بن سحنون): تربوي بارز ومؤسس للمدرسة المغاربية للفكر التربوي؛ وله مؤلف شهير وُسِم بآداب المعلمين، تضمن آراءً تربوية تكشف بجلاء عن أن العرب والمسلمين لهم بالغ العناية بأسس وقضايا التربية والتعليم، وكان مِمَّن دعوا للعدل بين التلاميذ وما يجب على المعلم من لزومهم والحرص على ما ينشئهم النشأة الصالحة؛ وضبط العلاقة والوشائج بين المعلم والمتعلم مع الالتزام بآداب المهنة؛ وإشراك الأسرة في مجريات العملية التعليمية التربوية.
وهناك (عبد الرحمن بن خلدون): مؤسس علم الاجتماع كما أنه سياسي وفيلسوف ومؤرخ بارز، من أشهر كُتُبِه (المقدمة وكتاب العبر)، وكان يرى وجوب تَحلّي المعلم بالرحمة والشفقة على الأطفال وتقوية الصلة معهم كوالديهم؛ ولن يتحقق هذا سوى بحبه للمهنة وإخلاصه لها، وبأن يكون قدوة حسنة ليستحق مسمى ولقب (معلم)، وكان في طريقته يؤكد على أهمية مُحصلة وثمرة العلم والمعرفة، ومثال جيد آخر هو:(أبو علي بن سينا ـ الشيخ الرئيس): ترك لنا إرثًا علميًا وفكرًا نيرًا ومؤثرًا إلى الآن، وله باع طويلة بمجال التعليم والتربية وكان مِمَّن تحدثوا عن صفات المعلم؛ فمِمَّا قال: (ينبغي أن يكون مؤدب الصبيان عاقلًا ذا دين؛ بصيرًا برياضة الأخلاق؛ صادقًا بتخريجهم؛ وقورًا رزينًا بعيدًا عن الخِفّة والسّخف، لبيبًا قليل التَّبذّل والاسترسال بحضرة تلاميذه؛ ذا مروءة ونظافة ونزاهة؛ فالمؤدب قدوة يقتدى به)! وكان يرى أنه من الواجب (مسايرة ميول الصّبِي ـ التلميذ ـ وتوجيهه إلى الصناعة والمهنة التي تتفق مع ميوله).
ويحلو الحديث عن (أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحِظ): عَلَمٌ من أعلام مفكري العرب ومن أكثرهم دُعابَة ومَرحًا؛ ولم يُقلّل هذا من قَدرِه ووزنه لأنه يَعرف متى يَهْزِل ويجد وبإطار علمي معرفي تثقيفي، وقد نَبّه الجاحظ إلى: (خطورة مهنة التعليم وجلالها وعظم المسؤولية الملقاة على معلمي الصبيان؛ لأنها مهنة الأنبياء والعلماء والأشراف؛ فالمعلمون يؤسسون ويبنون ويغرسون؛ فإذا فسد الأساس فسد كل شيء آخر)! ومِن المعروف أن الجاحظ عالم وفكاهي متمرس بأعلى درجات الرُّقِي بالظَّرَف دون إسفاف، وله كتاب شَائق سمَّاه (نوادر المعلمين)؛ وعَزَم ذات يوم على تقطيعه وإحراقه لولا أن قِصَّة حدثت له مع معلم فثَنَته القصة بطرافتها عن قَرارِه فأبقى الكتاب المُمتِع؛ كما هي كذلك مؤلفاته كافة.

