محمد ناصر العطوان
تخيل معي هذا المشهد الذي يتكرّر في مؤسساتنا العربية أكثر من تكرار أغاني «أم كلثوم» في المقاهي... يأتي المدير الجديد أو الخبير الإستراتيجي ببدلته الأنيقة، حاملاً مجلدات ضخمة بعنوان إستراتيجية التحول الرقمي... يقف على المنصة، ويشرح بحماس كيف سننقل المؤسسة من العصر الحجري إلى العصر الفضائي، وكيف ستصبح بيئة العمل جنة للإبداع والابتكار... يصفق الجميع بحرارة، وتُلتقط الصور التذكارية، ويخرج المدير منتشياً بنصره المبين.
ولكن، بمجرد أن يغلق باب قاعة الاجتماعات، ويبدأ الموظفون في العودة لمكاتبهم، يحدث «السحر الأسود» الحقيقي. يميل موظف قديم «عظم في قفة» المؤسسة على أذن موظف شاب متحمس، ويهمس له بجملة واحدة، جملة مكونة من ثلاث كلمات فقط، لكنها كفيلة بنسف كل ما قاله المدير في ساعتين: «يا معود من صجهم!»... أو «ما راح تضبط معاهم»... أو «جربنا قبلك وفشلنا».
هذه الجمل، يا سادة، ليست مجرد دردشة عابرة... هذه ما يسميه علماء التنظيم «السرديات الدقيقة» (Micro-Narratives). وهي –ويا للهول– أقوى من كل قرارات مجلس الإدارة، وأقوى من اللوائح الداخلية، وأقوى من الإستراتيجيات المكتوبة بماء الذهب بـ 10 أضعاف!
لماذا؟ لأن الإستراتيجية جسم غريب يدخل المؤسسة، أما هذه الجمل فهي «الفيروس» الذي يسري في دماء المؤسسة، ينتقل شفهياً، بهمس، في الكافيتريا، وفي الممرات، وعلى غروب الواتساب «السري» الذي لا يوجد فيه المدير أو المراقب... هي جمل غير مكتوبة، وبالتالي لا يمكن مناقشتها أو دحضها.
خذ عندك مثلاً مؤسستين، لديهما الميزانية نفسها، والمبنى الفخم ذاته، وعدد الموظفين نفسه. في الأولى، الجملة السائدة بين الموظفين هي: «جرب... ما راح نخسر شيء... وأسوأ سيناريو أننا نتعلم». وفي الثانية، الجملة السائدة هي: «لا تورط نفسك... خلك جنب الحيط». بعد سنة واحدة، ستجد المؤسسة الأولى تبتكر وتنافس وتسبق عصرها، بينما الثانية تحولت إلى «متحف للتحنيط البيروقراطي»، رغم أن الورق الرسمي الإستراتيجي في المؤسستين متطابق تماماً!
المصيبة الكبرى أن لا أحد يكتب هذه الجمل في التقارير السنوية... ولن تجد استبياناً يقول لك «ما هي نسبة استخدام جملة (خلها على البركة) في إدارتك؟». لكن هذه الجمل هي التي تحدد هل سينجح مشروعك الجديد أم سيُدفن حياً.
كم من خطة عبقرية ابتلعها «تنين» السرديات الصغيرة، وخرجت من الجهة الأخرى مجرد «حبر على ورق» مفرغة من أي معنى.
السؤال الذي يطرح نفسه والذي يخاف المديرون من طرحه هو كيف نكتشف هذه «العفاريت» اللغوية؟ الطريقة بسيطة، لكنها تحتاج لجرأة. اسأل سؤالاً واحداً في الممرات: «ما هي الجملة التي لو قلتها هنا... سيفهم الجميع ما تقصده فوراً ودون شرح؟».
إذا كانت الإجابة جملة مثل: «هذا السيستم»، أو «علشان نخلص»، أو «محد يسمع»... فاعلم يا رعاك الله أنك تجلس على برميل بارود من الإحباط، وأن كل إستراتيجياتك مصيرها «الفرّامة».
الحل ليس في إصدار «تعميم إداري» يمنع التشاؤم (لأنهم سيسخرون منه بجملة جديدة). الحل هو تغيير «القصة».
الناس لا تصدق «الباور بوينت»، الناس تصدق ما تراه بعينها... ولن تتغير السردية السامة إلا إذا رأى الموظفون زميلاً لهم «خالف القاعدة» ونجا، بل وكوفئ علناً. عندما يرون أن من قال «سأجرب» لم يُعاقب، بل صفقوا له، هنا فقط ستبدأ جملة «يا معود مو من صجهم» في التراجع، لتحل محلها جملة «ليش لأ؟».
الثقافة المؤسسية ليست ما تكتبونه في «البروفايل» عن القيم والرسالة. الثقافة المؤسسية هي ما يهمس به الموظف لزميله وهو يشرب الشاي في المكتب... فإذا أردتم التطور ابدأوا في الاستماع إلى «الهمس»... قبل أن يتحول إلى صرخة توقظكم على خراب مالطا... وكل ما لم يُذكر فيه اسم الله... أبتر، وكل ما لا يُراد به وجه الله... يضمحل.

