: آخر تحديث

أسرار من روثشايلد

3
4
4

خلف أسوار عالية تُطل على بحيرة جنيف، يقع متحفٌ، يعد أحد أثمن المتاحف الخاصة في العالم، يضم مجموعة ضخمة من الروائع الفنية، التي تُشكّل جزءًا من ثروة عائلة روثشايلد، حفظت لعقودٍ خلف أبوابٍ مُصفّحة داخل قصر «بريني»، لكنها أصبحت مؤخراً محور نزاعٍ قانوني بين «نادين دي روثشايلد»، البالغة من العمر 93 عامًا، وزوجة ابنها، «أريان دي روثشايلد»، البارونة الحالية. تتمحور الدعاوى القضائية حول رغبة زوجة الابن في أن تبقى المجموعة في القصر، الذي يعود للقرن الـ19، ورغبة أم الزوج في أن تنقل المجموعة لمتحفٍ جديدٍ في جنيف.

يزخر القصر بلوحاتٍ لفنانين قدامى، وتحفٍ وصناديق ودروع من عصر النهضة، وطاولات جانبية منحوتة، ومرايا مذهبة، ولوحات ثمينة للرسام «إل غريكو»، التي تُعتبر من أهم مقتنيات القصر، إضافة لأثاثٍ ملكي نادر، وتقدر قيمة الموجودات بمئات ملايين الدولارات، من ضمنها أعمالٌ تُنسب لـ«غويا»، و«رامبرانت»، وكأنها متحف «لوفر» مصغر.

يعتبر هذا الصراع القضائي الأول من نوعه في تاريخ هذه الأسرة البالغة الثراء، منذ بروزها على الساحة المصرفية والمالية في القرن الـ18، فعائلة روثشايلد، وهذا ليس اسمها الحقيقي، هي أسرة يهودية ألمانية ثرية، برزت في مجال البنوك والتمويل، انطلقت من فرانكفورت، وانتشرت في العواصم الأوروبية الأهم في حينها، لندن وباريس وفيينا ونابولي، وفرانكفورت. ويُعد مؤسسها «ماير أمشيل» (1744– 1812)، صاحب العقل الفذ، الذي فكر في طريقة فريدة في إرسال أبنائه الخمسة لإدارة المكاتب الخارجية، التي صمدت لقرابة ثلاثة قرون.

بدأ «ماير»، رب الأسرة وعقلها المبدع، كتاجر عملات ومستشار مالي لأحد أمراء أوروبا، ثم أسس عملًا مصرفيًا في ستينيات القرن الثامن عشر، وضرب ضربته الشديدة الذكاء بقراره إرسال أبنائه الخمسة لتأسيس فروع المالية، ضمن شبكة عابرة تتبادل المعلومات ورأس المال بسرعة غير معتادة في ذلك الزمن، وبفضل تلك المؤسسة لعبت العائلة دورًا مهمًا في تمويل الحكومات الأوروبية، خاصة خلال الحروب النابليونية، وتمويل القروض السيادية والمشاريع الكبرى، فحققوا أموالاً طائلة وألقاباً نبيلة في الإمبراطورية النمساوية والمملكة المتحدة، مثل لقب «بارون»، مما منحهم مكانة اجتماعية موازية لقوتهم المالية.

اختار «ماير» اسم «روثشايلد»، وتعني الدرع الأحمر، اسم منزل العائلة في حارة اليهود بفرانكفورت.

بخلاف الاعتقاد السائد، فقد تضررت بعض فروع عائلة روثشايلد في القرن الـ20، بسبب الحروب العالمية، وتأثيرات النازية على اليهود، وتأميم بعض البنوك في دول مثل فرنسا والنمسا، مما أدى إلى انكماش نفوذها مقارنة بالسابق، لكن ما زالت الأسرة تمتلك بنوكًا خاصة وشركات استثمار مؤثرة، لكنها ليست بتلك القوة المالية المطلقة، التي كانت، أو التي تصوّرها نظريات المؤامرة، التي تدّعي سيطرتهم على «نصف ثروات العالم»، وهي ادعاءات يرفضها كثير من المؤرخين والباحثين.

* * *

تساءلت: ماذا كان سيحدث لو كان لدينا في المنطقة من يشبه «ماير أمشيل»، وقرر، في بداية القرن العشرين مثلاً، أن يرسل أبناءه للرياض، وجدة، ودبي وأبوظبي، والدوحة، وعُمان، والمنامة، والدمام... مثلاً؟ ماذا كانت ستكون عليه ثروة تلك الأسرة اليوم؟ علماً بأن بعض الأسر الكويتية اتبعت، بصورة محدوة، ذلك الأسلوب، وإن بشكل مختلف، حيث امتدت أعمالها لتشمل الهند والبصرة، والرياض والإمارات، وحققت من وراء ذلك الانتشار ثروات ضخمة، ساهم في الحفاظ عليها وتنميتها، على مدى قرنين تقريباً، قرار كبارها منع تفتيتها، بتوزيعات الميراث، لذا بقيت أغلبيتها صامدة حتى اليوم.


أحمد الصراف


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد