: آخر تحديث

محد لاحقك

8
6
6

سهوب بغدادي

القسوة نهج وأسلوب مكتسب، غالبًا ما ينتج عن تجارب مؤلمة أو تربية قاسية وصلبة تفتقر إلى المرونة وإظهار العفو والتسامح في الصغر، حيث تؤثر هذه الصفة على الطفل بشكل كبير ويكتسبها وتتغلغل في ذاته دون أدنى وعي أو شعور، ذلك لأن المنزل ومن فيه من مربين وأشقاء هم أول من يمثل مفهوم الصفات الإنسانية الأولى فهم بمثابة كتيب التعليمات الذي يترافق مع تشغيل أي آلة جديدة..

بالطبع إن الإنسان ليس بآلة إنما المبدأ واحد، في هذا الموضع، ذهلت من تصرف إحدى الأسر مع طفلهم في إحدى المناطق العامة، كان الطفل يبلغ من العمر ثلاثة سنوات، يلهو ويلعب كأقرانه بشكل طبيعي، ما إن تقدمه والده ووالدته في الخطى سارع الطفل في اللحاق بهما، فسقط على الأرض فجأة، مما جعل والدته تتنبه له فتوقفت ثم انخفضت لمستواه وقالت: «ليش تركض، محد لاحقك!» ثم توقف والده ورمقه بنظرة حادة جعلته يصارع نظراته بين الخوف والرهبة والرغبة في النظر إلى والده، فقال له الوالد غاضبًا: «ليش تركض محد لاحقك، محد يركض كذا!»

بعد ذلك اجتمع الاثنان عليه ليكررا ذات الجملة، لقد استغربت من رد فعل الأم التي لم تحتضن الطفل من الوهلة الأولى، أو على الأقل أن تسمي عليه! وذهلت من قسوتهما عليه وتأنيبهما له على تصرف طبيعي ألا وهو الركض، بالطبع لم يكن هناك من يلحقه، إلا أنه كان يحاول اللحاق بهما! جعلني هذا الموقف أحزن كثيرًا على حال ومآل هذا الطفل حيث سيكون بدوره قاسيًا أو متعلقًا بأول من يوليه الاهتمام والحب مستقبلًا، الأمر الذي يشكل أنماطًا غير صحية من التعلق في العلاقات الاجتماعية من صداقة وزمالة وصولًا إلى الزواج والتربية، لماذا نكون أول من يقسو على الأطفال وهم سيتعرضون إلى تحديات الزمان لا محالة لاحقًا، لنكن عونًا لهم لا عليهم، إنّ وظيفة المربي لا تتلخص في توفير الماديات والطعام والشراب فحسب بل في توفير الأمان والاحتواء قبل كل شيء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد