: آخر تحديث

ترميم وإعادة تصميم في التراث

10
9
10

قلت للقلم: هل اختلطت عليك حابلات الأفكار بالنابلات؟ لقد سمعنا بإعادة كتابة التاريخ، أمّا إعادة كتابة التراث، فكراً وإبداعاً، فلا. أخشى أن يشطّ إسرافك، فيتعذّر إنصافك. قال: إنني في الحقيقة لم آتِ بجديد من قبيل الإبداع الذي يصفه قدماؤنا بأنه الصنع على غير مثال. أنت نفسك ذكرت سابقاً أن في ميراثنا الثقافي ثغرات، من بينها أن الأدب الصوفي الإبداعي قليل في المكتبة العربية. هذا الفراغ ليس هيّناً، فهو ثقب أسود في تاريخ أدبنا. ثمّة براهين أقوى من أن تقبل الجدل، من بينها أنه لا وجود لديانة أو معتقد، لم ينبثق منه مذهب أو مذاهب صوفية. تماماً مثلماً لم يوجد مجتمع، منذ أقدم العصور إلى يومنا هذا، وليس له نوع أو أنواع من الموسيقى. هذه العلاقة العضوية الوطيدة بين الدين والتصوف، وصفها الأديب الإيراني الكبير د. محمد رضا شفيعي كدكني (84 سنة) بقوله: «العرفان، نظرة فنيّة من خلال الإلهيات».

قلت: كلام كبير، لأنه يضفي على التصوف أبعاداً جماليةً أقرب إلى الرمزية الشعرية. أوَ ليس عجيباً أن بيان إطلاق المدرسة الرمزية سنة 1886 في فرنسا، على أيدي الثلاثي: بودلير، فيرلين ورامبو، أشار إلى أن جذور مدرستهم تمتدّ إلى التصوف الشرقي؟ من الضروري أن يعكف المفكرون والأدباء العرب على دراسة علل ندرة الأعمال الأدبية الصوفية الإبداعية في مكتبتنا، فأشعار ابن عربي وابن الفارض وعبدالغني النابلسي قليلة على أدبنا، فجلّها يفتقر إلى مقوّمات الإبداع العالمي. لكن، ما هو مشروع الفكرة التي تخامرك؟

قال: أدرك جيّداً أن الفكرة غير معقولة ولا موضوعية ولا تمتّ إلى التطبيق العملي بصلة. تخيّل مثلاً أن تطلب مؤسسات ثقافية من الشعراء إبداع أعمال أدبية عرفانية صوفية لسدّ الفراغ. واضح أن المطلب عبث في عبث. لكن الفكرة مهمّة لكونها تثير تساؤلات فلسفيةً محرّضةً على التفكير في قضيّة مهمّة: لماذا تفتقر المكتبة العربية إلى مآثر من هذا اللون من الإبداع؟ أين مكمن الخلل؟ لماذا تختلف ثقافتنا المعاصرة والحالية، في فكرها وروحها، عن ثقافات الصين، الهند، باكستان، إيران، وهي شرقية مثلنا، «ولسنا كلّنا في الفن شرقُ». الغريب أن الغرب تتألق فيه التيارات العرفانية، من كل الأصناف الصوفية في العالم.

لزوم ما يلزم: النتيجة التأجيلية: هذا أوّل غيث الموضوع، فلم نتطرق إلى ترميم أو تصميم. لكن القلم مصمّم.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد