في يناير من العام الحالي 2023، تحدث صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله ورعاه، بأن هذا العام سيخصص لكي يكون عاماً للاستدامة في دولة الإمارات العربية المتحدة، مؤكداً بأنها قضية جوهرية للبلاد في مجتمع متطور يعتبر منذ نشأته الحديثة نموذجاً متميزاً في صنع التنمية بكافة أبعادها وجوانبها المعهودة.
فما هذه الاستدامة، وكيف يمكن تحقيقها والحفاظ عليها بكفاءة واقتدار؟ مصطلح «استدامة»، هو ترجمة للمصطلح الإنجليزي «Sustainability»، وبهذا المعنى، فإن الموضوع مرتبط بمفاهيم التنمية في العالم المعاصر، خاصة في آسيا وأفريقيا، وظهور ما نعرفه الآن بالتنمية الشاملة المستدامة.
ورغم سعي العديد من الدول إلى تحقيق هذا النمط من التنمية إلا أن العديد من العراقيل برزت لكي تعيق القدرة على إدراك ذلك على الصعيدين الداخلي والخارجي، فهي عملية صارت مرتبطة بمقولات العولمة عندما يراد تحقيقها على الصعيد الخارجي للدول، وهذا شأن آخر.
وعليه، فإن ما يعنينا في هذا المقام هو التنمية المستدامة على الصعيد الداخلي، خاصة التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وتحقيق الاستدامة على صعيديهما في ما يتعلق بارتباط ذلك بعلم السياسة، لأن الاستدامة في جوهرها هي شأن سياسي - تنموي تمارسه الدول وحكوماتها، خاصة المستنيرة منها.
ومن هذا المنطلق، فإن التنمية المستدامة هي مقولة لدى علم السياسة تستخدم لوصف عمليات بناء الأمم وبناء الدول، التنمية المستدامة مرتبطة بشكل وثيق بمقولات التنمية والتحديث الاقتصادي والاجتماعي والبشري، فكرة التنمية المستدامة تتطلب أن تكون المجتمعات قادرة بوعي أن تدير شؤون بنائها لأممها بطرقها ووسائلها الخاصة بها.
في أعقاب المرحلة المباشرة لنيل الاستقلال في العديد من دول العالم النامي تواجدت آمال في أن يتمكن قادة الدول من تحويل أوطانهم المستقلة بنجاح إلى دول مستقرة ومتقدمة تديرها حكومات فعّالة وقادرة، تدفع إلى الأمام بالأوضاع إلى ما هو أفضل، لكن تلك الآمال اصطدمت بحوائط صلبة من عدم القدرة، إلا في عدد قليل منها من بينها دولة الإمارات ودول مجلس التعاون الخليجي الأخرى.
وفي الوقت نفسه لأنه ساد اعتقاد بأن التنمية المستدامة تعتمد على تشجيع ودعم التنمية الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، فإن دولاً أوروبية وشمال أميركية دشنت برامج للمساعدات الاقتصادية والفنية لتنفيذها في عدد كبير من دول العالم النامي.
وزاد الاهتمام بالتنمية المستدامة اشتداد أوار الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي والاشتراكي نتيجة لعمليات الاستقطاب الشديد التي سادت وخوف كل منهما بأن يتمكن الآخر من التفوق عليه في هذا المجال.
وخلال عقد خمسينيات القرن العشرين كان علماء السياسة متشككين في نجاح مسارات التنمية المستدامة في دول العالم النامي، خاصة في الدول الأكثر فقراً.
ورغم وجود اتفاق عام بأن مسار التاريخ هو باتجاه الانتقال من التقليدية نحو الحداثة، أي انتقال المجتمعات من كونها قائمة على الزراعة والرعي والحياة الريفية باتجاه أوضاع أكثر تمدناً وحداثة قائمة على أنماط حضرية وصناعية، إلا أن ذلك لم يؤكد أو يضمن بأن جميع المجتمعات من شأنها أن تتحرك في نفس الاتجاه. والعديد من الأقطار في العالم النامي واجهت ولا زالت تواجه صعوبات قاسية ومعوقات محبطة بعضها في شكل أوضاع موضوعية قائمة ومستفحلة وأخرى بسبب ثقافاتها التقليدية المقيدة.
إن نظريات ومقولات التنمية المستدامة يتم التأثير عليها من قبل أعمال علماء العلوم الاجتماعية الذين ظهروا منذ القرن التاسع عشر الذين حاولوا شرح الثورة الصناعية الأوروبية وتحول المجتمعات الغربية آنذاك.
إن الأعمال العلمية المؤثرة تضمنت ما كتبه كل من ماكس فيبر واميل دوركهايم وهنري مين وكارل ماركس وغيرهم.
لقد نظر منظرو التنمية المستدامة أيضاً إلى علم الأجناس «الإنثروبولوجيا» من أجل فهم العمليات الخاصة بالمثاقفة والتغير الاجتماعي، لذلك فإن البحث في التنمية المستدامة يتم ربطه وتعريفه بدراسة الثقافات وعلم النفس.
عام الاستدامة في الإمارات
مواضيع ذات صلة

