: آخر تحديث

التقدّم الأوكراني النوعي: إنجاز عسكري و...درس!

8
13
9
مواضيع ذات صلة

في الأيّام القليلة الماضية، لم تُحرّر القوّات الأوكرانيّة ثلاثة آلاف كيلومتر مربّع من أصل مائة وعشرين ألف كيلومتر مربّع احتلّها #الجيش_الروسي، على مراحل منذ العام 2014، فحسب بل فتحت، أيضًا ثغرة استراتيجيّة في الدعاية التي يعتمدها الكرملين ضدّ الجيش الأوكراني وضدّ معارضيه الداخليين وضدّ الغرب عمومًا والاتّحاد الأوروبي، خصوصًا.

 
قبل هذا التطوّر العسكري النوعي لم يعد الصمود الأسطوري لكييف في وجه ثاني أقوى جيش في العالم يكفي، إذ إنّ كلفته على الدول الداعمة بدا أكبر بكثير من "فوائده"، ذلك أنّ الوقوف الى جانب أوكرانيا، ماديًّا ومعنويًّا ودبلوماسيًّا وسياسيًّا ومخابراتيًّا وعسكريًّا، راح يرتد سلبّا على البِنى الاقتصاديّة والماليّة والإجتماعيّة والكيانيّة للاتّحاد الأوروبي، من دون أن يحقّق النتائج المرجوّة منه.
 
وفيما كانت الجبهات شبه جامدة، كانت الدعاية الروسيّة ناشطة جدًّا، فروّجت لتواصل عسكري أوكراني روسي يمهّد لانقلاب على السلطة الحاكمة في كييف، بالتزامن مع بثّ أفلام تُنبئ الأوروبيين بالموت بردًا مع حلول فصل الشتاء، بمجرّد أن توقف شركة " #غازبروم" آخر خطوط الإمداد "الغازيّة"، وصوّرت أنّه في وقت تتآكل فيه قوّة العملة الأوروبية الموحّدة وتتضخّم الأسعار وتنقص المواد الأوّلية، تعوم روسيا على "بحر" من العملات التي يتسيّدها "#الروبل"، وأظهرت فلاديمير بوتين، وهو ينتقل من أقصى البلاد الى أقصاها، بأنّه أصبح فعلًا امبراطورًا يهزّ الغرب بيمينه والشرق بيساره، وبيّنت أنّ المساعدات العسكريّة التي يقدّمها الغرب لأوكرانيا يستحيل استخدامها في المعارك لأنّ الجيش الروسي يفجّرها، في مهدها، ممّا يحول دون وصولها الى الجبهات.
 
وكان رهان موسكو على فصل الشتاء كبيرًا، لأنّه سوف يجمّد الجبهات، من جهة ويحرّك الإضطرابات الشعبية في أوروبا، من جهة ثانيّة، ويفرض الضغوط على القيادة الأوكرانيّة للجلوس، من موقع الضعف، إلى طاولة المفاوضات، من جهة ثالثة.
 
ولكن، مرّة جديدة، يتأكّد أنّ المخططات الدفتريّة للقيادة الروسية لا تتطابق مع الوقائع الميدانيّة، فكما أسقطت المقاومة الأوكرانية خطّة "الإجتياح البرقي" التي على أساسها انطلق الغزو في الرابع والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، كذلك أحبط الجيش الأوكراني خطّة" صقيع الشتاء" التي راهن الكرملين عليها.
في الأيّام الأولى للهجوم التحريري الأخير الذي بدأه الجيش الأوكراني على جبهتين متزامنتين، لم يكن الإعلام الغربي يُعطي صدقيّة عالية للمعلومات التي تتحدّث عن اختراقات نوعيّة ضد القوات الروسيّة. كان المحللون العسكريّون يشكّكون بالمعطيات التي تصل إليهم، على اعتبار أنّ أوكرانيا ليست سهلة أبدًا في "الحرب الناعمة"، وتاليًا فهي قد تكون في وضعيّة إسماع الرأي العام الغربي ما يستهويه حتى لا تكبر ضغوطاته على حكوماته، من أجل دفع أوكرانيا دفعًا الى طاولة المفاوضات، على اعتبار أنّ ما يمكن أن تخسره عليها يبقى أسهل ممّا بدأ الغربيون يدفعونه في يوميّاتهم التي "اخشوشنت" جدًّا.
 
لكن سرعان ما انقلب هذا التشكيك الى "مفاجأة مبهرة"، فالصمود الأوكراني الذي حطّم خطط الهجوم الروسي، في الرابع والعشرين من شباط (فبراير) الأخير بدا متواضعًا جدًّا أمام تحرير الجيش الأوكراني لمساحة ثلاثة آلاف كيلومتر مربّع بما تحتويه من نقاط عاليّة الأهميّة على المستوى الإستراتيجي.
 
والتقييم "الأسطوري" لهذه المفاجأة لم ينبع من فراغ، فالجيش الروسي احتلّ بين بداية حزيران/ يونيو ونهاية آب/أغسطس الأخيرين مساحة 1700 كيلومتر مربّع، وها هو الجيش الأوكراني بين السادس من أيلول (سبتمبر) والحادي عشر منه يحرّر ضعف هذه المساحة في خمسة أيّام، فيما "الحبل" لا يزال "على ...الجرّار".
أوّل انعكاس لهذا الإنجاز الأوكراني، كان في أخذ قادة الرأي العام الأوروبي "نفحة أوكسيجين" أعانتهم في الضغط على الحكومات الأوروبيّة من أجل إهمال كلّ المطالبات التي تحمل لواءها أحزاب "اليمين المتطرّف" وتهدف الى إعادة النظر بالعقوبات التي يفرضها "الاتّحاد الأوروبي" على روسيا، وقد تقدّمت صحيفة "لوموند" هؤلاء حيث طرحت، بعد تعداد التأثيرات الكبيرة لهذه العقوبات على "الدولة الغازية" واقتصادها وصناعاتها العسكريّة، سؤالًا مهمًّا جدًّا ترك أصداءه في كلّ مكان:" إذا كانت العقوبات الأوروبية من دون أيّ تأثير، فلماذا هذا الضغط من أجل رفعها، بسرعة، إذن؟".
 
ثاني انعكاس لهذا "الإنجاز الأوكراني" كان في إعادة الاعتبار الى المساعدات العسكريّة الغربية، إذ ثبت أنّ لكل سلاح نوعي قدّمه الأميركيون والفرنسيون والألمان والبريطانيون وغيرهم، دورًا في التقدّم النوعي الأوكراني، في مقابل تراجع فاعلية السلاح الروسي.
 
وأحيا الدور الذي لعبه السلاح الغربي المقدّم الى أوكرانيا المعادلة التي تسعى روسيا الى إخفائها، في إعادة كتابتها لحقائق الحرب العالمية الثانية.
وتُبيّن المعطيات التاريخيّة أنّه لولا جسور الإمداد العسكري التي وفّرها الغرب عمومًا والولايات المتّحدة خصوصًا للإتّحاد السوفياتي، في ضوء الغزو النازي، لما كانت روسيا قد تفوّقت على ألمانيا، وألحقت بها هزيمة ساحقة.
 
والمعادلة التي صبّت في الحرب العالمية الثانية لمصلحة الإتّحاد الأوروبي ضدّ "ألمانيا الهتلريّة" تصب حاليًا، ولكن مع آفاق عسكريّة محدّدة سلفًا بالبعد التحريري حصرًا، لمصلحة أوكرانيا ضد "روسيا البوتينيّة".
 
ولم يعد سرًّا أنّ المعلومات التي زوّد بها الغرب #أوكرانيا، بفضل آليّاته المخابراتيّة البشريّة والتقنيّة، في ظلّ التقدّم التكنولوجي الهائل، لعبت دورًا حاسمًا في التطوّرات الأخيرة التي كانت لها تمهيدات نوعيّة، مثل تفجير مخازن الأسلحة واحتياطات الوقود واستهداف طرق الإمداد والتحرّك الصاعق وراء خطوط "العدوّ".
 
وثالث انعكاسات "الإنجاز الأوكراني" ظهر، في مدينة سانت بطرسبرغ والعاصمة موسكو، حيث، وعلى الرغم من القمع المؤكّد ضدّ الأصوات المعارضة لإرادة الكرملين وجّهت شخصيات روسيّة منتخبة رسائل الى "مجلس الدوما" الروسي لا تطالب فقط بإقالة فلاديمير #بوتين بل بمحاكمته أيضًا بتهمة "الخيانة العظمى".
 
وقد فصّلت هذه الرسائل التي لن تكون لها متابعة مؤسساتية روسيّة بطبيعة الحال "الجرائم " التي ارتكبها بوتين ضدّ الشعب الروسي وموقع روسيا العالمي، في غزوه لأوكرانيا.
 
وتكمن أهميّة هذه الرسائل في أنّها تعكس حقائق موجودة ضمن الشرائح الشعبية الروسيّة التي يحول النظام الإستبدادي والأدوات القمعية التي وضعها دون تمكينها من التعبير عن نفسها.
 
وإذ بدا أنّ التفاعل الروسي مع مضمون هذه الرسائل بقي "مضبوطًا"، فإنّ التفاعل الغربي عمومًا والأوروبي خصوصًا جاء كبيرًا، الأمر الذي ألحق أضرارًا بالغة بالدعاية الروسيّة الهادفة الى شيطنة الغرب وتقويض قدرات صموده الشعبيّة.
 
والأهمّ من ذلك أنّ الخسائر التي لحقت، في الأيّام الأخيرة الماضية، بالقوات الروسية العاملة في أوكرانيا، بيّنت أنّ الشريحة "القوميّة" التي طالما دعمت بوتين قد بدأت في "المزايدة" عليه، مصوّبة على طريقة إدارته للحرب وعلى القيادات التي يمحضها ثقته.
 
وهذا يعني أنّ بوتين الذي أسقط الهجوم الأوكراني المضاد هيبته العسكريّة، بدا محاصرًا في داخل بلاده بتيّارات تقف عن يساره تتّهمه بارتكاب جرائم عظمى وبتيّارات تقف عن يمينه تعتبره فاشلًا.
 
بطبيعة الحال، لا يمكن الإعتماد على هذه الظواهر العسكريّة والسياسيّة والإعلامية للتوهّم بأنّ بوتين بدأ مساره الإنحداري، إذ إنّه لم يستعمل بعد كلّ الأوراق المتوافرة لديه، ولكن، في المقابل، فإنّ ما حصل يسمح لخصوم بوتين بالإعتقاد أنّ قدرته على الصمود في القمة التي وصل إليها باتت ضعيفة جدًّا، الأمر الذي يضخ تفاؤلًا في الغرب فيواصل دعم أوكرانيا حتى تواصل "تقليم أظافر الدبّ الروسي"، ويعين الشعوب الأوروبيّة التي لم تنس تداعيات تهاونها مع صعود هتلر، على تحمّل التبعات الناجمة عن الوقوف الى جانب أوكرانيا، ويعيد الى الولايات المتّحدة الأميركية اعتبارها الإستراتيجي الذي كانت قد فقدته، في محطات كثيرة آخرها "الانسحاب المهين" من أفغانستان.
 
وفي مطلق الأحوال، فإنّ أوكرانيا لم تعد ساحة حرب فقط، بل أضحت درسًا للشعوب التي تنشد التحرّر، فهي لم تحظ بالدعم الغربي، لأنّها "دلّوعة" العالم، بل لأنّها أثبتت، في الميدان، أنّها قادرة على تحويل المساعدات التي تصلها الى إنجازات ميدانيّة.
 
ومن يبكِ في الشرق أو الغرب مصيره، فيجب أن يتوقّف قليلًا عن النواح ليتمكّن من استلهام الدرس الأوكراني، لأنّ من يطلب دعم العالم له، فعليه، بادئ ذي بدء، أن يكون...موجودًا!


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد