إيلاف من بيروت: يُعد الحق في الزواج وتأسيس الأسرة من أعمق الحقوق اللصيقة بالطبيعة البشرية، وهو ما كفله الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في مادته السادسة عشرة بوضوح لا لبس فيه، حين نص على حق الرجل والمرأة متى أدركا سن البلوغ في الارتباط دون قيود تمييزية، مع ضمان المساواة التامة خلال قيام الزواج ولدى انحلاله. ورغم مرور عقود على هذا الإعلان التاريخي، لا تزال لغة الأرقام والتقارير الدولية تكشف عن مسافة شاسعة بين النص الأممي المثالي والواقع المعقد الذي تعيشه ملايين النساء والرجال حول العالم، حيث تصطدم هذه الحقوق بمتاريس قانونية وثقافية واقتصادية متجذرة.
الشرط الأول الذي تضعه المادة 16 يرتبط بضرورة إدراك "سن البلوغ" والأهلية الكاملة، إلا أن ظاهرة زواج الأطفال تقف كحجر عثرة أساسي أمام هذا الحق، إذ تُسلب الطفولة وتُصادر الإرادة الحرة قبل اكتمالها. وتكشف أحدث بيانات منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة، حيث يوجد اليوم نحو 700 مليون امرأة على قيد الحياة تزوّجن وهن طفلات، بينهن 250 مليون امرأة تزوّجن قبل بلوغ سن الخامسة عشرة. ورغم التراجع التدريجي لنسب هذه الظاهرة عالمياً خلال العقد الماضي، إلا أن وتيرة التقدم لا تزال أبطأ بكثير من المطلوب، وتحذر التقارير الأممية من أنه في حال استمرار الاتجاهات الحالية، فإن تحقيق هدف إنهاء زواج الأطفال بحلول عام 2030 (ضمن أهداف التنمية المستدامة) يبدو بعيد المنال، مما يبقي ملايين الفتيات عرضة لانتهاك صارخ لحقهن الإنساني في الاختيار وتأسيس أسرة متوازنة.
أما البند المتعلق بحظر القيود المفروضة بسبب "العرق أو الجنسية أو الدين"، فيواجه تحديات جسيمة في العديد من الأنظمة القانونية والاجتماعية. ففي العديد من دول العالم، لا يزال التعدد القانوني والقوانين العرفية أو الدينية تفرض حظراً أو قيوداً صارمة على الزواج المختلط أو الزواج بين أتباع ديانات وطوائف مختلفة. ويؤدي هذا التمييز الهيكلي والمؤسسي إلى حرمان الأفراد من حريتهم الفردية المطلقة في اختيار شركاء حياتهم، بل ويترتب عليه في أحيان كثيرة عدم الاعتراف القانوني بزيجات الأقليات، مما يجردهم من الحماية القانونية للأسرة ويهدد حقوق النسب والميراث، ويخلق حالة من التهميش تتناقض كلياً مع روح التسامح والمساواة التي نادى بها الإعلان.
وفيما يخص المساواة في الحقوق "لدى التزوج وخلال قيامه ولدى انحلاله"، فإن الطريق نحو الإنصاف القانوني والاقتصادي لا يزال طويلاً وغير معبد. ويؤكد تقرير "المرأة وأنشطة الأعمال والقانون 2024" الصادر عن مجموعة البنك الدولي أن النساء لا يتمتعن عالمياً سوى بثلثي الحقوق القانونية التي يتمتع بها الرجال. وفي الشق المتعلق بالزواج تحديداً، يبرز التمييز بوضوح من خلال قوانين الأحوال الشخصية التي تكرس سلطة "الزوج كرب للأسرة"، وتفرض تفاوتاً مجحفاً في إجراءات وحقوق الطلاق، وحضانة الأطفال، وتقسيم الممتلكات الزوجية المكتسبة. ويشير الخبراء الحقوقيون إلى أن هذه التشريعات غير المتكافئة لا تعيق فقط تحقيق الاستقلالية الاقتصادية للمرأة، بل تشكل غطاءً مأساوياً لممارسة العنف الاقتصادي والمنزلي ضدها، وتجعل من عملية "انحلال الزواج" معركة استنزاف تفقد فيها المرأة في أغلب الأحيان مقومات حياتها ومورد رزقها. وتخلص هذه المعطيات إلى أن تفعيل المادة 16 يتطلب إرادة سياسية دولية ومحلية لردم الفجوة بين القوانين المكتوبة والتطبيق الفعلي، لضمان بناء مجتمعات قائمة على العدالة والكرامة الإنسانية للجميع.


