إيلاف من بيروت: سقطت الخطوط الحمراء وانتهى زمن الدويلة. في زلزال سيادي غير مسبوق، انتفضت بيروت لتجرد "حزب الله" من سلاحه وتحظر نشاطه العسكري، واضعة إياه في عزلة بعد خديعة طالت أقرب حلفائه.
تكريس حصرية السلاح: بعبدا تنتفض ضد المغامرات
في خطوة تاريخية تعيد خلط الأوراق وتؤسس لمرحلة استعادة هيبة الدولة، اتخذت الحكومة اللبنانية قرارا حاسما بحظر كافة الأنشطة العسكرية والأمنية لـ"حزب الله"، ملزمة إياه بتسليم ترسانته بالكامل إلى الدولة اللبنانية. هذا القرار الاستثنائي، الذي صدر في جلسة طارئة عقدت في القصر الجمهوري ببعبدا برئاسة الرئيس العماد جوزيف عون وحضور رئيس الحكومة نواف سلام وجميع الوزراء، كرس قاعدة سيادية صارمة مفادها أن قرار الحرب والسلم هو حق حصري لا يقبل الشراكة بيد الدولة ومؤسساتها الدستورية.
الرئيس عون، وفي مستهل الجلسة التي حضر قائد الجيش العماد رودولف هيكل جانبا منها، كان حاسما في توصيف إطلاق "حزب الله" للصواريخ باتجاه إسرائيل منتصف ليل الأحد - الاثنين. فقد شدد على أن ما جرى "ليس دفاعا عن لبنان ولا حماية للبنانيين، وهو أمر مرفوض بأي شكل من الأشكال"، راميا كرة المسؤولية بالكامل في ملعب مطلقي الصواريخ، ومؤكدا أن الشعب اللبناني لن يدفع ضريبة هذه "العملية المتهورة".
لا غطاء للتمرد: حظر فوري وأوامر للجيش
ترجم رئيس الحكومة نواف سلام هذا الغضب الرئاسي إلى قرارات تنفيذية صارمة. وعقب الجلسة، أعلن سلام صراحة رفض إدانة انفراد الحزب بالعمل العسكري الذي يتناقض مع الدستور ووثيقة الوفاق الوطني والبيان الوزاري، معتبرا إياه تقويضا لمصداقية الدولة وتخطيا لإرادة الأغلبية وتوريطا للبنان في آتون حرب إقليمية.
وأعلن سلام الحظر الفوري لنشاطات الحزب العسكرية والأمنية بوصفها "خارجة عن القانون"، وإلزامه بالعمل في الحقل السياسي فقط. ولم تكتف الحكومة بالمواقف، بل أمرت الأجهزة العسكرية بمنع أي عمليات أو إطلاق صواريخ ومسيرات وتوقيف المخالفين. كما كلفت قيادة الجيش بالمباشرة فورا وبحزم بتنفيذ الخطة التي عرضت في 16 فبراير الماضي، والقاضية بحصر السلاح شمال نهر الليطاني بكافة الوسائل المتاحة.
خديعة الإفطار: الحزب يطعن حلفاءه
ما جعل القرار الحكومي يمر بهذا الإجماع هو حالة الانكشاف السياسي التي وضع "حزب الله" نفسه فيها بعدما "خدع الجميع". فقد كشفت مصادر وزارية مقربة من رئاسة الجمهورية لـ"الشرق الأوسط" أن الأجواء حتى مساء الأحد كانت توحي بالتهدئة الكاملة. بل إن رئيس البرلمان نبيه بري، وخلال مأدبة إفطار أقامها رئيس الحكومة السابق نجيب ميقاتي، طمأن الحاضرين بناء على وعود تلقاها من الحزب بعدم التدخل وزج لبنان في الحرب، قبل أن ينقلب المشهد رأسا على عقب بالصواريخ الليلية.
هذا الطعن بالوعود أفقد الحزب غطاء حلفائه داخل الجلسة. ففي حين استمات الوزيران المحسوبان على "حزب الله" في الاعتراض والنقاش المطول للالتفاف على القرار، التزم الوزراء المحسوبون على "حركة أمل" الصمت ولم يسجلوا أي اعتراض. خطوة قرأتها مصادر مقربة من بري كرسالة واضحة بأن رئيس البرلمان يؤيد قرارات الحكومة ويدفع بقوة نحو "أن تأخذ الدولة دورها".
ألغام التنفيذ: هل يعود شبح 7 أيار؟
رغم الإجماع على تاريخية القرار وأهميته في حسم الشق العسكري، تدرك الأوساط الوزارية أن طريق التنفيذ محفوف بالألغام. وتضع المصادر أربعة استحقاقات مفصلية أمام هذا المسار: أولها مدى استجابة "حزب الله" للقرار وسط ترجيحات برفضه، وثانيها كيفية استغلال إسرائيل للقرار وإمكانية مواصلتها للحرب للقضاء على الحزب مستفيدة من ضعف المحور الشيعي، وثالثها الغطاء السياسي واللوجيستي المنتظر من المجتمع الدولي لدعم الجيش، ورابعها موقف إيران من هذا التحول الدراماتيكي وميلها إما للتصعيد أو الاحتواء.
وسط هذه التعقيدات ومحدودية نتائج الاتصالات الخارجية، يرتفع منسوب القلق الداخلي من رد فعل الحزب الميداني في حال تصدى الجيش لمحاولات التفافه على القرار، وسط تساؤلات مشروعة عما إذا كان لبنان يتجه نحو "7 أيار جديد"، في استنساخ لسيناريو عام 2008 حين اجتاح الحزب بيروت عسكريا لرفضه قرار الحكومة تفكيك شبكة اتصالاته.
إجماع وطني وقضائي لكسر الهيمنة
هذا الحزم الحكومي لاقى صدى إيجابيا وفوريا على المستويين القضائي والسياسي. فقد تحرك وزير العدل عادل نصار متصلا بالمدعي العام التمييزي ومفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية، مكلفا الأجهزة بتوقيف مطلقي الصواريخ وسوقهم للعدالة، مغردا بأن نشاط الحزب العسكري "خارج عن القانون".
وعلى الصعيد السياسي، اصطفت القوى المسيحية خلف الشرعية؛ إذ اعتبر رئيس حزب "القوات اللبنانية" سمير جعجع القرار خطوة نحو قيام "الدولة الفعلية"، راميا الكرة في ملعب الجيش لبدء تفكيك البنية العسكرية للحزب وملاحقة سلاحه وفقا للقوانين. في حين طالب رئيس حزب "الكتائب" سامي الجميل باستكمال هذه "الخطوة التاريخية" بإعلان الطوارئ وقطع العلاقات الدبلوماسية مع إيران وإقفال مؤسسات الحزب المالية غير الشرعية. بدوره، ساند رئيس "التيار الوطني الحر" جبران باسيل قرارات الحكومة الرامية لتجنيب لبنان الحرب وحصر السلاح بيد الدولة، مجددا دعمه المطلق للجيش اللبناني وقائده في هذه اللحظة المفصلية.


