بعض الصحافيين لا يتقاعدون، تظل الكتابة عشقهم الأبدي إلى أن يسلموا الروح إلى خالقها، وذلك بعد رحلة طويلة مع مهنة يقال عنها إنها مهنة البحث عن المتاعب، وعلي بن أستيتو الإعلامي المغربي واحد من هؤلاء، إذ لم يضع القلم جانبًا بعد تقاعده الإداري من العمل في وكالة الأنباء المغربية، بل انصرف إلى كتابة مذكراته.
إيلاف من الرباط: في كتابه الجديد الصادر حديثًا بعنوان "مذكرات صحافي.. رحلة في الزمان والمكان"، يعود بن أستيتو إلى زمن توارى خلف الذاكرة، لرصد ما بقي عالقًا فيها من أحداث، ويسترجع صفحات من ماضيه المهني، متوقفًا في البداية عند نشأته في قرية صغيرة نائية في أعالي الجبال، في منطقة شمال غرب إقليم تازة (شمال المغرب).
اللافت للانتباه أنه بعد حصوله على الإجازة في الحقوق، (علوم سياسية)، من جامعة محمد الخامس، في مدينة الرباط، لم تكن الصحافة كمهنة واردة في بال بن أستيتو، لكنه، كما يقول، سقط في عشقها، متأثرًا بسحرها، وقد دفعته الظروف إلى امتهانها، عقب تسجيله في نظام "الخدمة المدنية الإجبارية"، الذي كان يقضي بإلزام خريجي الجامعات الجدد بالعمل سنتين على الأقل في إحدى الوزارات أو المؤسسات العمومية.
مواكبة ملف الصحراء
الحظ وحده قاده إلى وكالة الأنباء المغربية، وكانت هي البوابة التي دخل عبرها إلى الصحافة. وكان أول حدث ذو بعد عربي ودولي يشارك في تغطيته إعلاميًا، ضمن الطاقم الصحافي للوكالة، هو القمة العربية التي انعقدت في الرباط، سنة 1974، التي حملت حدثين بارزين: الاعتراف بمنظمة التحرير الفلسطينية، كـ"ممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني"، وتصريح الرئيس الجزائري هواري بومدين، أن "الجزائر ليست لها أية مطامع" في أقاليم المغرب الجنوبية، وهي كلمات "سرعان ما كذبها الواقع، عندما رأى المغاربة كيف كانت الجارة الشرقية تسخر كل قدراتها العسكرية والدبلوماسية لمحاربة المملكة بوساطة حركة انفصالية بذريعة "حق الشعب الصحراوي في تقرير مصيره"، وفق تعبير المؤلف.
شاء القدر أن يرتبط بن أستيتو بمختلف مراحل تطور قضية الصحراء، بداية من تغطية "المسيرة الخضراء"، التي أعلن عنها الملك الراحل الحسن الثاني سنة 1975، ومرورًا بمواكبة الملف في ردهات الأمم المتحدة ومؤتمرات منظمة الوحدة الأفريقية، عندما أصبحت هذه القضية واجهة للصراع الدبلوماسي المغربي الجزائري في المحافل الدولية.
اغتيال إسحاق رابين
يتذكر بن أستيتو أنه قضى أربعين سنة في العمل الصحافي، بحثًا عن الحقيقة في دروب ومتاهات المهنة، من بينها 18 سنة أمضاها مسؤولًا عن مكتب الوكالة المغربية للأنباء في القاهرة، ومنها كان ينطلق في مهام صحافية نحو عدد من دول منطقة الشرق الأوسط، التي كانت ولا تزال مسرحًا للأحداث الدولية الكبرى.
خلال وجوده في القاهرة، أتيح له أن ينتقل إلى الأراضي الفلسطينية، ويتابع أجواء عودة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات إلى غزة في صيف سنة 1994، وما ارتبط بها من تداعيات وتطورات، عقب التوقيع على اتفاق "أوسلو" الشهير يوم 13 سبتمبر 1993.
في شهر نوفمبر 1995، شاهد بن أستيتو عملية اغتيال إسحاق رابين، على يد متطرف إسرائيلي، وقال إنه وجد نفسه بمحض الصدفة، شاهدًا على الحدث، حين كان كصحافي يشق الزحام، عقب اختتام مهرجان خطابي أقيم في تل أبيب، وذلك لاستلام كلمة رئيس مكتب الاتصال المغربي طلال الغفراني، التي ألقاها باسم الملك الحسن الثاني، باعتبارها وثيقة رسمية، من المفروض أن تبثها الوكالة عبر شبكتها الإخبارية.
عن هذا الحدث تحديدًا، كتب بن أستيتو: "في الوقت الذي اقتربت فيه كثيرًا من أولى الأدراج النازلة من المنصة، حيث كنت أشاهد أمامي إسحاق رابين يتقدم الشخصيات المغادرة، وكنت أمعن النظر، يمنة ويسرة، كي أرمق الدبلوماسي المغربي، فإذا طلقات نارية تلعلع فجأة، في تلك اللحظات شاهدت رابين وهو يتهاوى ويسقط على الأرض على مسافة أمتار قليلة من المكان الذي كنت أقف فيه، لقد أصابته الطلقات النارية إصابات مباشرة في أنحاء متعددة من جسمه، وفي لمح البصر، اختلط الحابل النابل، ليتحول الموقف إلى فوضى عارمة وارتباك شديد".
الربيع العربي بعد "السنوات العجاف"
بعد انتهاء مهمة بن أستيتو في القاهرة، والتحاقه بالتحرير المركزي للوكالة في الرباط، أسندت إليه "بعض المهام الهامشية"، و"بعض المسؤوليات البسيطة"، على مدى خمسة أعوام" كانت بالنسبة إليه "سنوات عجاف"، لم يتمكن خلالها من تقديم أية إضافة حقيقية، حسب تعبيره، لاعتبارات موضوعية عدة، من بينها بعض "الأمراض" المزمنة و"الأعطاب" التي تعرفها هذه المؤسسة كغيرها من الإدارات العمومية، وتتمثل في ظاهرة صراع الأجيال.
في شهر سبتمبر من سنة 2009، أسندت إليه رئاسة مكتب وكالة الأنباء المغربية في تونس، حيث عايش عن كثب اشتعال الشرارة الأولى لنار الغضب الشعبي وانتشارها كالنار في الهشيم، في السابع عشر من ديسمبر 2010، وما أسفرت عنه من تطورات وتداعيات انتهت بـ"هروب الرئيس المخلوع زين العبدين بن علي"، مرفوقًا بزوجته وأفراد من أسرته، "بعدما حكم البلاد بقبضة من حديد لثلاث وعشرين سنة".
لكن مهمة بن أستيتو في تونس لم تكن سهلة، بل اكتنفتها بعض الصعوبات، خاصة في البداية، بفعل أجواء المراقبة البوليسية التي كانت تترصد خطوات الصحافيين المعتمدين وتحركاتهم، وتقوم بتفتيش غرفهم في الفنادق، أو في أماكن إقامتهم في غيابهم.
في إحدى المرات، وجد بن أستيتو نفسه بين كماشة أمن الرئاسة، بعد تسجيله حديثًا في أحد فنادق العاصمة تونس، مع كريم غلاب، رئيس مجلس النواب آنذاك، فقد أحاط به رجال من جهاز الأمن بلباس مدني، وشرعوا في تفتيشه واستنطاقه، ولم يتخلص من هذه "الورطة"، إلا بعد تدخل السفير المغربي آنذاك نجيب الزروالي، الذي حضر مسرعًا إلى عين المكان، فور علمه بالخبر.
توتر في العلاقات بين الرباط وتونس بسبب "الجزيرة"
على مستوى العلاقات الثنائية، أشار الكاتب إلى أن العلاقة بين نظام بن علي والمغرب كانت تعرف بين الفينة والأخرى فترات من التوتر، رغم تبادل الزيارات بين مسؤولي البلدين.
من بين العوامل التي كانت تتسبب في توتر العلاقات بين البلدين، وتدفع نظام بن علي إلى التهديد بالاعتراف بجبهة البوليساريو، ما كانت تبثه قناة "الجزيرة" انطلاقًا من مكتبها في الرباط، من برامج منتقدة لهذا النظام، من خلال استضافة بعض الشخصيات التونسية المعارضة.
ويروي بن أستيتو، وطبقًا لما علمه من مصادر متطابقة، أن الرئيس التونسي السابق بن علي أجرى ذات يوم اتصالًا هاتفيًا بالملك محمد السادس، محتجًّا على برنامج حواري بثته "الجزيرة" من الرباط، وتناول بالنقد والتجريح نظام تونس.
قال بن علي للملك: "هل يرضيك يا جلالة الملك أن أدعو وفدًا من "بوليساريو" لزيارة تونس والإدلاء بتصريحات مناوئة للمغرب؟".
وأفادت المصادر التي اعتمد عليها بن إستيتو، أن الملك حاول أن يشرح في البداية للرئيس بن علي بهدوء، موقف المغرب إزاء الموضوع المطروح، ولما تعذر عليه تليين الموقف المتصلب لمحدثه، الذي واصل تهديده المبطن بالاعتراف بـ"بوليساريو"، ما كان من الملك إلا أن خاطب الرئيس التونسي بن علي بنبرة حادة، قائلًا ما معناه: "السيد الرئيس، إذا أردت أن تدعو جماعة "بوليساريو" إلى تونس، وتبني لهم خيمة دائمة أمام قصرك، فهذا أمر يهمّك.."، وبذلك انتهت المكالمة بين الجانبين، حسب المصادر التي استقى منها الكاتب هذه الرواية.


