نيويورك: قال ناصر بوريطة، وزير الشؤون الخارجية والتعاون الدولي المغربي، إن النظام المتعدد الأطراف الذي أرست أسسه منظمة الأمم المتحدة منذ نشأتها سنة 1945، لحل الأزمات الدولية، "أصبح بدوره، مع الأسف الشديد، يعاني من اهتزازات تمس جوهر هذا النظام الجماعي وتتعارض مع روحه ومقاصده، مما يهدد بنسف أسسه وهدم كل البنيات التي وضعت من أجل تفعيله".
جاء ذلك في كلمة ألقاها الوزير المغربي أمام الاجتماع الوزاري لحركة عدم الانحياز، الذي انعقد على هامش الدورة 73 للجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة، لمناقشة موضوع: "التمسك بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حركة عدم الانحياز: الطريق نحو ثقافة السلم".
واعتبر بوريطة أن اختيار موضوع الاجتماع يؤكد من جديد "مركزية الحفاظ على السلم والأمن الدوليين ضمن اهتمامات حركة دول عدم الانحياز".
وأضاف أن الاهتزازات التي يعرفها التوجه العالمي الحالي حول النظام المتعدد الأطراف بين "صواب اختيارات حركتنا في ما يتعلق بالانتصار لثقافة السلم والحوار والمفاوضات لتحقيق ما تصبو اليه شعوبنا وشعوب العالم من آمال في مستقبل أفضل في إطار من التعايش السلمي واستتباب للأمن الدوليين".
وتساءل وزير خارجية المغرب في الاجتماع الوزاري حول إمكانية القول ب"أننا قد توصلنا ضمن محاولة حركتنا التكيف مع القضايا الأمنية والسلمية السياسية الدولية الراهنة، والتحديات الشمولية المرافقة لها، الى تحقيق ما نصبو اليه كأعضاء لجعل دول عدم الانحياز قوة دولية كفيلة بالإسهام الفعال في اشعاع ثقافة السلم، خدمة لشعوبنا وللبشرية جمعاء؟".
وأفاد بوريطة بأن الجواب عن هذه التساؤلات "يكمن في تداولنا اليوم لهذا الموضوع، كما انه يكمن في ثنايا وثائقنا الختامية التي تبرز حجم جهودنا المبذولة، وتعكس أكثر ما تعكس مدى تمسكنا متضامنين بميثاق الأمم المتحدة ومبادئ حركتنا وإيماننا بدورهما الفعال من أجل السير على الطريق الصحيح نحو توافق سلمي حول القضايا الدولية الشائكة التي نعالجها خلال اجتماعاتنا".
وأشار المسؤول المغربي إلى أنه على الرغم مما حققته حركة عدم الانحياز، فهي "مدعوة الى بذل المزيد من المجهودات، وإبداء المزيد من المقترحات لسد الثغرات في نظامنا المتعدد الأطراف، تحت رعاية منظمة الأمم المتحدة"، والتي أكد أنها ستظل في وجهة نظر المملكة المغربية "الأداة التي لا محيد عنها لتطويق قضايانا الأمنية، ومواجهة تحدياتنا المعاصرة، فضلا على أنها الأمل الواعد ونقطة الضوء الوحيدة التي تتطلع من خلالهما دول وشعوب المنتظم الدولي إلى مستقبل مشترك أفضل".
وزاد بوريطة موضحا أن الحركة مدعوة إلى "التكيف مع مختلف أشكال التطورات السياسية الدولية السريعة، ومواكبة آليات فض النزاعات وتقنيات الوساطة ودعم مساعي عمليات السلام، ومناهج ووسائل توفير شروط نجاحها"، وسجل بأن تكثيف التنسيق في هذا المجال في ما بين أعضاء حركتنا، سيظل عبر تبادل الممارسات الفضلى، هو "السبيل الناجع لتقوية مجهوداتنا نحو رفع هذا التحدي".
وأكد بوريطة أن المملكة المغربية "لم تذخر أي جهد، في إطار من التضامن، من اجل اشعاع ثقافة السلم واستتباب الأمن الدوليين وذلك من خلال أدوارها ومواقفها السياسة الداعمة لإيجاد حلول للنزاعات الدولية ومحاولة التوفيق بين أطرافها، عبر التوصل الى تسوية عادلة وسلم شامل من خلال التقيد بقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة".
كما اعتبر الانخراط المستمر للمملكة المغربية في عمليات حفظ السلام، والمكانة المهمة التي يوليها لها ضمن سياسته الخارجية والدولية، "أحد أوجه مساهمته في المجهودات الدولية للحفاظ على السلام وتشجيع الاستقرار، بناء على أهداف وتوجهات الأمم المتحدة ذات الصلة، ووفقا للمبادئ المسطرة في ديباجة دستور المملكة، وخاصة منها تلك التي تدعو الى احترام الوحدة الترابية للدول، علما بأن المغرب حريص على ان تكون مشاركته في عمليات حفظ السلام مشاركة ذات منحى وبُعد إنساني".
ومضى موضحا أنه في هذا الاطار "يتشرف المغرب بمهمة تنسيق مجموعة عمل حركة عدم الانحياز المتعلقة بحفظ السلام ويثمن بهذه المناسبة انخراط ودعم كل الدول الأعضاء في عمل هذه المجموعة التي أصبحت تشكل اليوم مرجعية لا محيد عنها في كل النقاشات والمفاوضات المرتبطة بحفظ السلام".
وبحكم انتمائه المسؤول الى مؤسسته القارية الافريقية، أشار بوريطة إلى أن المغرب وضع "تعزيز السلم في القارة الأفريقية في صلب سياسته الخارجية، وذلك تجسيدا لالتزاماته مع أشقائه الأفارقة، وفق قرارات الأمم المتحدة ومبادئ وأهداف حركتنا، من خلال الإعانة على إيجاد حلول شاملة وواقعية لقضايا السلم والأمن لقارتنا"، معتبرا ان انتخاب بلاده لعضوية مجلس الأمن والسلم للاتحاد الأفريقي "عربون على مدى الثقة التي وضعها فيه اشقاؤه على ما اكتسبه من خبرات تحظى بالاعتراف والتقدير على الصعيدين الإفريقي والدولي".
وعلى مستوى الالتزامات العربية والإسلامية للمملكة المغربية، أوضح بوريطة أن الدفاع عن القضية الفلسطينية يأتي على "رأس الجهود التي ما فتئ يبذلها الملك محمد السادس، بصفته رئيسا للجنة القدس، لأجل المحافظة على الوضع القانوني لمدينة القدس الشريف، وصيانة رموزها الدينية المقدسة، والدفاع عن هويتها الروحية والحضارية، كفضاء للتسامح والتعايش بين الديانات السماوية، وفاءً منه ومواصلة لمجهودات المملكة من أجل نصرة القضية الفلسطينية العادلة".وزاد مبينا حرص العاهل المغربي "على استتباب سلام عادل وشامل في المنطقة، وفقا لمبادئ الشرعية وللقرارات الدولية ذات الصلة"، وهو ما "يقتضي تفادي كل ما من شأنه تأجيج مشاعر الغبن والإحباط التي تغذي التطرف والإرهاب، والمساس بالاستقرار الهش في المنطقة، وإضعاف الأمل في مفاوضات مُجدية لتحقيق رؤية المجتمع الدولي حول حل الدولتين".
وتعهد بوريطة بأن تظل المملكة المغربية، من موقع المتشبث بميثاق الأمم المتحدة والمدافع عن مبادئ حركة دول عدم الانحياز، "وفية لالتزاماتها في مواصلة مجهوداتها السلمية والتضامنية مع أشقائها من أعضاء الحركة، كما ستظل مقتنعة بأن تحقيق أهدافنا وطموحاتنا المشتركة، رهين بتعزيز دور حركتنا، من خلال إسهام اعضائها الفاعل في رفع التحديات التي تواجه مسعانا إلى عالم يكون أكثر سلما وتوازنا، وإنصافا وإنسانية، بما يكفل ويضمن لشعوبنا حياة كريمة أكثر سلما وعدلا ومبعثا للأمل في مستقبل أفضل لأجيالنا الصاعدة".


