: آخر تحديث

الإعلام كمفسدة للّغة

10
11
10

ينتابني شعورٌ بالحزن والحسرة عما يقع فيه زملاء فضلاء من أخطاء لغوية وتعبيرية في عملهم الصحفي، كأني أرى العربية تمرّ بأخطر مراحلها سوءًا، ويقع جزء من مسؤولية هذا الانحدار على عاتق الكتاب والصحفيين، كما تقع عليهم مسؤولية الإسهام في جزء من عملية التصحيح، أو على الأقل عدم المشاركة في الترويج للخطأ، ورحم الله الشيخ جلال الحنفي الذي كان يقول: أخشى على لغتي من الإعلام، حين أسمع المذيع أو المذيعة ساعة نشر الأخبار.

ما أتحدث عنه قد سبقنا إليه كثيرون من جهابذة اللغة من القدماء والمعاصرين، وهو ليس من باب الانتقاص من أحد، أو التمنن على شخص بعينه، أو التقليل من الجهود المبذولة في هذا المضمار، وإنما الحرص على اللغة هو من باب الإسهام فيما يمكن تصويبه في حدود معرفتنا وإصلاح ما يمكن إصلاحه من الكلمات والعبارات التي دلفت عن مسار الاستعمال الصائب، أملًا في الحد من انتشارها واستفحالها وعدم السماح بظهورها كأنها صحيحة تدخل في ضمن ما بات الاصطلاح عليه بـ (الأخطاءالشائعة)، التي باتت تنخر في جسد اللغة بيراعة من لم تستوِ سوقه في مملكة الضاد.

ومعروف أنَّ مسألة التصويب اللغوي شائكة ومعقدة جدًا، فعلماء اللغة تعمقوا فيها وصنفوا فيها الكثير من المؤلفات، كما اختلفوا في اتباع آلية موحدة لمعالجة الخطأ والغلط، وقد اختلفت الآليات المتبعة في تصحيح المسار اللغوي بين تصحيح يعتمد على السماع، وآخر يقيس أو يستصحب الحال، وللناس فيما يعشقون مذاهب ومراجع في التقويم والتصحيح، غير أنهم لم يحيطوا بكل تلك الأخطاء، ولم يتمكنوا من ضبطها وحمل الناس على تسوّر صوابها ومحاكاة تصحيحها حتى وصل الحال إلى تخطئة المصوَّب، مما أدى إلى ظهور ما يسمى بتصحيح التصحيح، ولا بدّ هنا من التنويه إلى أنَّ هذا الأمر وارد جدًا في اللغات الحية، فلغة بحجم العربية التي تعدّ من أكثر اللغات ثراءً بالمفردات، وأكثرها تطورًا تركيبًا وقواعد، وأعرقها عمرًا، وأثمنها تاريخًا، من الطبيعي أن يتخللها بعض الانحرافات اللغوية، أمَّا لجهلٍ بأسسها ونحوها، أو للكيد منها ومحاولة للنيل من عظمتها.

ومن المسلمات أن الصحفيين من المذيعين والمقدمين في التلفزيون والإذاعة ليس في متناولهم وقت لتفادي الأخطاء وتداركها قبل النشر والبث، ولا سيما ما يتعلق منها بالنطق والتلفظ، فلا يمكنهم إخفاء زلاتهم اللسانية وهفواتهم التعبيرية على الهواء، بعكس الصحفي الذي يعمل في المجال المكتوب، إذ يكون لديه متسع من الوقت لمداراة ومراجعة نتاجه بتأنٍ تام وعلى أقل من مهله، كما أن هناك من المعنيين من يراجع مادته تفاديًا لأخطاء قد يكون وقع فيها، أضف على ذلك أنَّ الكتابة هي غير التلفظ، فهي لا تُظهر أخطاء تتعلق بضبط الشكل وهي التي تشكل معظم الأخطاء اللغوية.

وما هو معلوم أن لا أحد معصوم من الخطأ في اللغة، حتى الأدباء والمثقفين والإعلاميين، ولا يحيط باللّغة إلّا نبي فيما نسب للخليل الذي لم يُرَ مثله، وهناك من الأشخاص من يمرّ بالمسألة مرّ  الكرام، ولا يأخذها مأخذ الجد والمسؤولية، وهو تفكير خاطئ وما بُني على الخطأ فهو خطأ في حدّ ذاته؛ لأنَّ الاستهانة باللغة وعدم الاكتراث لها هو مساس بشخصية الفرد وموروثه وثقافته، والأدهى من ذلك هو ألا نكتب عنه ولا ننبه عليه أو لا نلفت الأنظار إليه.

وهكذا فإن الخطأ والغلط في اللغة العربية، ولا سيما عند الصحفيين والإعلاميين المعاصرين، لا يخرج عن أنواع ثلاثة، أما نابع من عدم المعرفة بالبديهيات اللغوية، أو نابع من عدم الدراية بتفاصيل دقيقة في النحو والصرف والإملاء، أو نابع من عدم الاهتمام وتحريك نهايات الكلم كيفما جاء.

إقرأ أيضاً: كردستان وصحافة الكم لا النوع

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أهم العثرات التي يقع فيها الإعلاميون في اللغة وهي أداتهم الأهم لعملية التواصل مع المتلقي وفي المحصلة تؤثر كثيرًا على وضوح الرسالة التواصلية وفي ضمان وصولها وفهمها كما هو مراد لها، في حين يمكن تلافي هذه العثرات بسهولة عن طريق المران والمتابعة والدأب على القراءة، وهنا أسجل نتاج ملاحظات تراكمت لدي خلال العمل الإعلامي والتماس المستمر مع مذيعين ومقدمين تشكل العربية لغتهم الأم وآخرين ناطقين بغيرها:

  • أخطاء سببها عدم التفريق بين "ألـ" الشمسية و"ألـ" القمرية: وتكون "ألـ" شمسية إذا وليها أحد الأصوات: ذ- ث- ظ- د- ت- ط- ز- س- ص- ض- ن- ر- ش. وتكون قمرية إذا وليها أحد الأصوات: ب- م- ف- ك- خ- غ- ق- ع- ح- هـ- همزة- ج. وهذا يؤدي إلى أخطاء في التلفظ، ولا أظن هذا في حاجة لأمثلة فهي كثيرة.

  • أخطاء في أبواب الأفعال الستة، وهي: ( فعَل يفعُل) مثل: نصَر ينصُر، و( فعَل يفعِل) مثل: ضربَ يضرِب، و(فعَل يفعَل) مثل: بحَث يبحَث، و(فعِل يفعَل) مثل: أذِن يأذَن، (فعُل يفعُل) مثل: بعُد يبعُد، و( فعِل يفعِل) مثل: حسِب يحسِب.

  • أخطاء فظيعة في تلفظ الفعل المبني للمجهول والنائب عن الفاعل ولا سيما في الأفعال التي لا تأتي إلا على صيغة المجهول مثل: هُرِعَ وعُنيَ.

  • أخطاء في نصب المبتدأ وهو جمع مذكر سالم، فقد كثرت كتابة ونطق: المتظاهرين يطالبون... أو المعلمين يدعون...

  • أخطاء في عدم الالتزام بجر المجرور بحرف الجر أو الإضافة، وقد نسمع كثيرًا رفع المجرور أو نصبه، مثل: إلى مدينتُهم، بدعوةً منه، محافظ المدينةَ، شعارُ المؤتمرُ...

  • أخطاء ناجمة عن إبقاء نون الجمع السالم عند الإضافة إلى ضمير المتكلم، مثل: متابعيني، مشاهديني.

  • أخطاء في نطق (إنَّ) و(أنَّ) ومواقع كل منهما.

  • أخطاء في استعمال الضمائر المتصلة وعودها في التذكير والتأنيث والإفراد والجمع.

  • أخطاء عديدة سببها الخلط بين همزتي الوصل والقطع، وهمزة الوصل هي تلك التي يتوصل بها إلى النطق بالساكن، وتسقط في النطق عند وصل الكلمة بما قبلها، وتظهر في الكتابة في صورة ألف من دون همزة. وتضبط حين البدء بها بحركة معينة. أما همزة القطع فتثبت في جميع الأحوال ابتداءً أو وصلًا، وتظهر في الكتابة في صورة ألف تحتها أو فوقها همزة.

  • أخطاء ناجمة عن تأنيث صفات لا يجوز تأنيثها إذ يشترك فيها المذكر والمؤنث، مثل: امرأة حاملة، امرأة عجوزة.

  • أخطاء منشؤها اعتماد قاعدة (سكن تسلم) للتخلص بالسكون من حركة الإعراب ويكثر عند المذيعين بصورة مبالغ فيها فيبدو المذيع وكأنه ينطق كلمات مفردة لا جملًا.

  • أخطاء كارثية في الكلمات الممنوعة من الصرف، فنراهم ينونون الممنوع من الصرف ويجرونه بالكسرة، مثل: أشياء، أسماء، مفاعل، عوامل.

  • أخطاء سببها الرئيس عدم فهم معنى الجملة أساسًا، فتراهم يرفعون المفعول، وينصبون الفاعل واسم كان وخبر إن، ويرفعون المجرور أو يفتحونه.

  • أخطاء كثيرة ناتجة عن عدم ضبط قواعد أحكام قراءة وكتابة العدد والتمييز إعرابًا وتذكيرًا وتأنيثًا.

  • أخطاء في عدم المطابقة في التذكير والتأنيث كالخلط بين المذكر والمؤنث المجازي أو السماعي، والخطأ في استخدام "أحد" أو"إحدى" مع جمع المؤنث السالم وجمع التكسير، واستخدام لفظ  "كلا" مع المثنى المؤنث.

إقرأ أيضاً: مشكلة العراق مع الإعلام الجديد

وهناك أخطاء نحوية وصرفية ومعجمية وتركيبية أخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها، وكل هذا يستدعي خطوات عملية وفاعلة منها ما يقع على المقدمين والمذيعين أنفسهم فيما يتعلق بالمتابعات اللغوية والقراءة المستمرة والتركيز على التدريب المكثف ولا سيما في مواقع الأخطاء المتكررة، وكذلك الحرص على قراءة مسبقة بتأن ودقة لما سيقدمونه، وفهم الكلمات جميعها والجمل والنص ككل، ومراجعة علامات الترقيم والوقف والتنغيم، ولا ضير في ضبط الكلمات بالشكل بهدف تقليل الأخطاء الناجمة عن الإعراب إلى أدنى حد، وكذلك كتابة الأرقام بالحروف والانتباه لموقعها الإعرابي والتذكير والتأنيث فيها وفي تمييزها، وكذلك الأعلام والأسماء.

أما المؤسَّسات الإعلامية فمسؤوليتها إيلاء الاهتمام التام بالنصوص لضمان خلوِّها من أنواع الأخطاء المعروفة وتأمين متخصصين لغويين يقومون بمراجعة ما يقدم للمتلقي وإلزام المذيعين والمقدمين بتوخي الدقة في كل ما يقرؤنه وضبطه تمامًا قبل الإلقاء، وإجراء مراجعات دورية لأداء المذيعين والمقدمين عبر دورات تقييمية تحسينية مستمرة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في كتَّاب إيلاف