: آخر تحديث
"إيلاف" تقرأ لكم في أحدث الإصدارات العالمية

ما سر انبهار بريطانيا بالجنوب الدافئ؟

21
25
23

ربما يعني حوض المتوسط أشياء مختلفة في أزمنة مختلفة، لكن إنجذاب بريطانيا إلى جنوب المتوسط نجم من شعور عميق بانعدام الأمن الثقافي. استمر هذا الشعور حتى عندما بدأت الإمبراطورية البريطانية تبسط هيمنتها.
 
إيلاف: كانت بريطانيا ذات الأجواء الماطرة والسماء المكفهرة في غالبية أيام السنة مبهورة دائمًا بدفء الجنوب الأوروبي، إضافة إلى أن الحياة هناك كانت طيلة قرون أقل كلفة.

بالنسبة إلى الشاعر جون كيتس، الذي وقع ضحية التدرن الرئوي، كان الدفء والرخص عاملين أساسيين في هروبه إلى إيطاليا.

توفي كيتس في روما في عام 1821. ومن أحد أبيات كيتس (أوه، من أجل دورق مليء بالجنوب الدافئ) استوحى روبرت هولاند عنوان كتابه "الجنوب الدافئ: كيف شكَّل المتوسط المخيلة البريطانية" The Warm South: How the Mediterranean Shaped the British Imagination (المؤلف من 320 صفحة، منشورات يال، 25 جنيهًا إسترلينيًا).

يقول هولاند إن حرق جثمان الشاعر شيلي على شاطئ فياريجيو كان "لحظة طوطمية في تاريخ الاحتكاك الثقافي الأنكلو ـ متوسطي"، أصبح فيها الشاعر الراديكالي المنبوذ شبه قديس بسبب مكان موته وطريقة موته، أي غرقًا.
 
كان بعيدًا
تلاحظ صحيفة "فايننشيال تايمز" في مراجعتها الكتاب أن المؤلف يرى أن المتوسط كان دائمًا "مختبرًا للصراعات الأيديولوجية والسياسية والثقافية داخل بريطانيا"، مشيرة إلى أن الموجة الكبيرة الأولى من الزوار البريطانيين كانت تتألف من سياح أثرياء يرون في الرحلة إلى الجنوب مدرسة كبيرة متخصصة في الدراسات الكلاسيكية التي كانت تدخل في صلب المنهج المدرسي للأرستوقراطية البريطانية في القرن الثامن عشر.

لكن هؤلاء السيّاح نادرًا ما غامروا أبعد من إيطاليا، بل إن صقلية بآثار معابدها اليونانية كانت بعيدة جدًا بنظر كثير منهم. لم تصبح اليونان جزءًا من رحلات هؤلاء السياح الأثرياء إلا في وقت لاحق. 

وفي زمن الحكم العثماني، كانت اليونان غريبة للغاية على البريطانيين، والوصول إليها صعب. ثم أصبحت أسبانيا أيضًا وجهة يزورها المغامرون ثقافيًا. إضافة إلى "الأسطورة السوادء" عن فن ديني مرعب وقمع سياسي ومحاكم تفتيش، كانت هناك حياة أسبانيا الاجتماعية المتميزة التي لا يمكن اختراقها. في نهاية كتاب هولاند، يبدأ جنوب فرنسا بالظهور. أما شمال أفريقيا فالكاتب يهمله، وكأن المتوسط ليست له ضفة جنوبية، كما تلاحظ "فايننشيال تايمز".

مدينة بغيضة
هكذا تكون دائرة اهتمام هولاند ناقصة، لكن كتابه في حدوده هذه يتناول جوانب عديدة من المتوسط وبمعرفة واسعة. وفي حين أن المتوسط يعني أشياء مختلفة في أزمنة مختلفة، فالمؤلف يرى أن إنجذاب بريطانيا إلى جنوب المتوسط كان ناجمًا من شعور عميق بانعدام الأمن الثقافي، استمر حتى عندما بدأت الإمبراطورية البريطانية تبسط هيمنتها.

بحسب هولاند، الاعتداد الفيكتوري والثقة بالنفس كانا ضربين من ضروب الوهم. ففي القارة الأوروبية، استمر التقليد الغني للفن الديني بلا انقطاع، لكن التراث الفني في بريطانيا انفصم بتأثير الإصلاح الديني. وأجبر هذا أجيالًا متعاقبة من الفنانين البريطانيين على زيارة جنوب أوروبا، لينهلوا من ينابيع عصر النهضة.

كانت عبادة الأمجاد التليدة تقترن عادة بقرف نزق من حالة إيطاليا المعاصرة. وبالنسبة إلى الكاتب الفيكتوري إدوارد بالوير لايتون، فلورنسا متخلفة عن بلدة تشيلتنهام الإنكليزية، وكانت جورج إليوت تعتقد أن روما "مدينة بغيضة بُنيت على أكاذيب".

تبجح غير واثق
كانت كاثوليكية جنوب أوروبا تسبب في أحيان كثيرة ما يسمّيه المؤلف رعبًا بروتستانتيًا مصحوبًا بالإثارة. يقول: "غرابة الاحتكاك نفسها كانت جزءًا من الانبهار" البريطاني في الجنوب الأوروبي.

لكن التطور السياسي أفسد هذا الانبهار. المفارقة أن الحساسيات البروتستانتية جُرحت بصعود العداء للكنيسة ورجال الدين بعد توحيد إيطاليا. كما يعيد المؤلف تذكيرنا بأن إيطاليا واليونان كانتا موضع اهتمام على مستوى التأمل والخيال. فجورج غروت الذي كتب تاريخًا لليونان القديمة يقع في 12 جزءًا رفض زيارتها عندما سنحت له الفرصة، ودانتي غابريل روسيتي لم ير قط أن هناك حاجة إلى زيارة إيطاليا، وطن أجداده. 

تزخر صفحات الكتاب بالعديد من الشخصيات الغريبة والمثيرة الأخرى. لكن شخصيات معروفة، مثل بايرون أو راسكن لا تشغل حيزًا في الكتاب يزيد على ما تشغله شخصيات أقل شهرة، مثل الفيكتوري، المغتر بثقافته الذاتية جورج بارو، أو الناقد الفني والكاتب فيرنون لي.  

يمتد تأثير الجنوب الأوروبي في بريطانيا من نقل طراز الفيلات التي صممها المعماري الإيطالي أندريه بالاديو إلى انكلترا، إلى "أنشودة لأثينا" المتأثرة بالديانة الأرثوذكسية اليونانية التي عُزفت خلال تشييع الأمير ديانا. وكما يبيّن هذا السفر، بقيت بريطانيا على امتداد قرون تقلد بلدان جنوب أوروبا وتحط من قدرها وتحدد هويتها في مواجهة هوية هذه البلدان. يشير هولاند إلى أن بريكسيت لا يمثل لحظة ثقة قومية بالنفس، بل دليل "تبجح غير واثق" إن لم يكن "طريقًا مسدودًا بائسًا".  
 
 
أعدت "إيلاف" هذا التقرير عن "فايننشيال تايمز". الأصل منشور على الرابط:
https://www.ft.com/content/2fd264a6-9faf-11e8-b196-da9d6c239ca8
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في ثقافات