: آخر تحديث

بسوس العصر: كيف حوّل نتنياهو الملف النووي الإيراني إلى حربٍ دفعت دول الخليج ثمنها؟

6
7
7

لم تدخل حرب البسوس كتب التاريخ لأن ناقةً قُتلت، وإنما لأنها كشفت كيف يمكن لشرارة صغيرة أن تتحول إلى حربٍ تمتد أربعين عامًا عندما تجد من يوظفها، ويحولها من حادثة عابرة إلى قضية وجود وثأر لا يسمح بالتراجع. فالناقة لم تكن سبب الحرب الحقيقي، بل كانت الذريعة التي أطلقت نارًا كانت تنتظر من يشعلها. وفي السياسة الدولية، كثيرًا ما تتكرر القصة نفسها، ولكن بأدوات مختلفة، فالحروب الكبرى لا تبدأ دائمًا لأن أهدافها تستحق كلفتها، وإنما لأن هناك من ينجح في إعادة تعريف الخطر، حتى يصبح الدخول في الحرب أقل كلفة سياسيًا من تجنبها.

بهذا المعنى، وليس بمعنى التطابق التاريخي، يمكن النظر إلى بنيامين نتنياهو باعتباره "بسوس العصر". لم يكن قادرًا على خوض حرب شاملة مع إيران بمفرده، لكنه نجح في استدراج القوة الأعظم في العالم إلى مواجهة مفتوحة، ثم وجد الشرق الأوسط نفسه يدفع الثمن، بينما انحرفت الحرب عن أهدافها الأولى، وانتقلت من البرنامج النووي الإيراني إلى مضيق هرمز وأمن الخليج والاقتصاد العالمي.

أولًا: كيف تُستدرج الدول العظمى إلى الحروب؟
الدول الكبرى لا تدخل الحروب عادة بسبب حادث منفرد، وإنما بسبب بناء سردية كاملة تجعل الحرب تبدو الخيار الوحيد. وهذا ما فعله نتنياهو طوال سنوات، فقد بنى ثلاث مسلمات داخل دوائر القرار الأميركية: أن إيران ليست خصمًا لإسرائيل فقط، بل تهديدًا مباشرًا للمصالح الأميركية، وأن الوقت يعمل لصالح طهران، وبالتالي فإن التأجيل أخطر من المواجهة، وأن الدبلوماسية استنفدت أغراضها، ولم يبقَ سوى القوة.

عندما تترسخ هذه القناعة، تصبح الحرب وكأنها نتيجة منطقية، وليست قرارًا سياسيًا. وهنا تكمن براعة الاستدراج، فإسرائيل لا تستطيع إلزام رئيس أميركي بالحرب، لكنها تستطيع أن تجعل عدم خوض الحرب يبدو هزيمة سياسية للرئيس الأميركي نفسه. وهذه هي أخطر أدوات إدارة التحالفات.

ثانيًا: هل كانت الحرب حربًا أميركية أم إسرائيلية؟
هذا هو السؤال الذي سيكتبه المؤرخون بعد سنوات. فعندما بدأت الضربات، كان الخطاب الأميركي يتحدث عن وقف المشروع النووي، وتدمير البرنامج الصاروخي، وإنهاء نفوذ الوكلاء. لكن مع مرور الوقت تغيرت الأولويات بصورة دراماتيكية، وأصبح الحديث عن حماية القواعد الأميركية، وحماية الملاحة، وإعادة فتح مضيق هرمز، وحماية إمدادات الطاقة.

أي أن الحرب انتقلت من الملف النووي إلى أمن الممرات البحرية. وهنا يظهر ما يسميه الاستراتيجيون:

الانحراف الاستراتيجي للمهمة (Strategic Mission Drift)

الانحراف الاستراتيجي للحرب، أي أن الحرب بدأت بهدف، وانتهت وهي تقاتل من أجل هدف مختلف تمامًا. وهذه ليست مجرد ملاحظة عسكرية، بل غالبًا ما تكون أحد مؤشرات الفشل الاستراتيجي.

ثالثًا: عندما اختارت إيران ساحة المعركة
كانت إيران تعرف أن المواجهة الجوية المباشرة مع الولايات المتحدة ليست في صالحها، ولذلك لم تحاول جعل المعركة تدور فوق طهران فقط، بل نقلتها إلى المكان الذي يوجع العالم كله، مضيق هرمز. وهذه كانت نقطة التحول، ففي هذه اللحظة لم يعد السؤال: هل ستتوقف إيران عن تخصيب اليورانيوم؟ بل أصبح: هل ستتحرك ناقلات النفط؟

وهنا حققت إيران هدفًا استراتيجيًا بالغ الأهمية، فقد غيرت موضوع الحرب نفسه، وأصبح الاقتصاد العالمي كله طرفًا فيها.

رابعًا: من النووي إلى النفط
وهنا تظهر المفارقة الكبرى. دخلت الولايات المتحدة الحرب تحت عنوان منع إيران من امتلاك السلاح النووي، لكنها خرجت لتدافع عن خطوط الملاحة، وأسعار النفط، وأمن السفن، وحركة التجارة. وهذا يعني أن مركز الثقل الاستراتيجي انتقل بالكامل، فلم تعد الحرب تدور حول أجهزة الطرد المركزي، بل حول ناقلات النفط. وهذه هي النقطة التي تجعل كثيرًا من الخبراء يصفون ما جرى بأنه تحول في مركز الصراع، وليس مجرد تطور ميداني.

خامسًا: ماذا تحقق فعلًا؟
إذا قيست الحروب بالعمليات العسكرية، فقد تبدو ناجحة، أما إذا قيست بالنتائج السياسية، فالصورة أكثر تعقيدًا. فالنووي لم يُحسم نهائيًا، والصواريخ لم تُلغَ، والوكلاء لم يختفوا. لكن الذي حدث يقينًا هو أن الملاحة تعطلت، والمخاطر ارتفعت، والخليج تعرض للاستهداف، وتكاليف التأمين قفزت، وأسواق الطاقة اهتزت. وهنا يصبح السؤال مشروعًا: إذا بقيت الأهداف الأصلية للحرب قائمة، فمن الذي حقق أهدافه؟

سادسًا: من ربح سياسيًا؟
حققت إسرائيل أهم أهدافها، فقد أعادت الولايات المتحدة إلى قلب الصراع، وجعلت أمن إسرائيل قضية أميركية مباشرة، وأبعدت الأنظار عن أزماتها الداخلية. أما إيران، فبالرغم من الخسائر العسكرية، فإنها نجحت في تغيير مسرح الحرب، وتحويل المضيق إلى ورقة ضغط، وفرض نفسها مجددًا لاعبًا لا يمكن تجاوزه.

وحققت الولايات المتحدة نجاحات عسكرية واضحة، لكنها وجدت نفسها مطالبة بإدارة أزمة جديدة لم تكن ضمن أهدافها الأصلية. أما الخليج فكان الخاسر الأكبر، بالرغم من أنه لم يبدأ الحرب، فأراضيه أصبحت معرضة للهجمات، وموانئه أصبحت في دائرة التهديد، واقتصاده أصبح يدفع فاتورة صراع لم يكن طرفًا في إشعاله.

سابعًا: مصيدة التحالفات
أحد أخطر دروس هذه الحرب أن الحليف قد لا يجرّك إلى الحرب بالقوة، بل بالإقناع، فيجعلك ترى أن خوضها أقل كلفة من تجنبها. وهذه هي مصيدة التحالفات، فالحليف لا يفرض عليك القرار، لكنه يعيد صياغة البيئة السياسية بحيث يصبح القرار الذي يريده هو الأكثر احتمالًا. وهذا ما نجح فيه نتنياهو بدرجة كبيرة.

ثامنًا: لماذا يشبه نتنياهو البسوس؟
ليس لأنه أشعل الحرب وحده، فالولايات المتحدة مسؤولة عن قرارها، كما أن جساس هو الذي قتل كليب، وليس البسوس. لكن البسوس صنعت المناخ الذي جعل الدم هو اللغة الوحيدة، وكذلك فعل نتنياهو. لقد نجح في تحويل المواجهة مع إيران من خيار قابل للتفاوض إلى معركة تبدو وكأنها معركة وجود. ومن هنا جاء التشبيه، إنه تشبيه بدور المحرّض الاستراتيجي، لا بدور صاحب القرار النهائي.

تاسعًا: الخليج ليس ساحة لتصفية الحسابات
أخطر درس خرجت به المنطقة أن أمن الخليج لا يجوز أن يصبح نتيجة جانبية لصراعات الآخرين. فمضيق هرمز ليس ورقة أميركية، ولا ورقة إيرانية، ولا ورقة إسرائيلية، بل هو شريان اقتصادي عالمي، وقبل ذلك ممر حيوي للدول الخليجية التي تعتمد عليه في صادراتها وأمنها الاقتصادي.

ولهذا، فإن أي تفاوض حول مستقبل المضيق لا ينبغي أن يتم بمعزل عن دول الخليج، لأنها صاحبة المصلحة المباشرة والأكثر تضررًا من أي اضطراب فيه. كما أن التجربة أظهرت ضرورة تسريع مشاريع بدائل التصدير، وتعزيز منظومات الدفاع الجوي والصاروخي المشتركة، ورفع مستوى التنسيق الأمني الخليجي لحماية الممرات البحرية والمنشآت الحيوية.

خاتمة
التاريخ لا يذكر فقط من أطلق الرصاصة الأولى، بل يذكر أيضًا من غيّر اتجاه الحرب. وكما لم تكن ناقة البسوس تستحق أربعين عامًا من الدم، فإن نتائج هذه الحرب تفرض سؤالًا لا يقل أهمية عن الحرب نفسها: هل كان ما تحقق يوازي ما خسره الشرق الأوسط؟

إذا كانت أهداف الحرب هي إنهاء البرنامج النووي، والبرنامج الصاروخي، وشبكة الوكلاء، بينما انتهى المشهد إلى تهديد مضيق هرمز، واستهداف دول الخليج، واضطراب التجارة العالمية، فإن المشكلة لم تعد في حجم القوة المستخدمة، بل في الفجوة بين الأهداف والنتائج.

وهنا يكمن جوهر التشبيه، فـ"بسوس العصر" ليست بالضرورة من يطلق النار، وإنما من ينجح في دفع الآخرين إلى حرب تتجاوز أهدافها، ثم يترك الإقليم كله يتعامل مع نتائجها. ويبقى الدرس الأهم: الدول العظمى قد تنتصر في المعركة، لكنها لا تنتصر بالضرورة في إدارة نتائجها، إذا سمحت لغيرها بأن يحدد لها أين تبدأ الحرب، وأين تنتهي.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.