: آخر تحديث

من خبرٍ في الصفحة الأخيرة إلى رحلة العمر مع «إيلاف»

2
2
1

 

قبل خمسة وعشرين عامًا، كانت «إيلاف» فكرةً تسبق زمنها. وفي عام 2001، أذكر جيدًا ذلك الخبر الصغير المنشور في الصفحة الأخيرة من جريدة «الرياض»، عن إطلاق أول صحيفة إلكترونية عربية تحمل اسم «إيلاف».

يومها، كنتُ أتجادل مع أخي الأكبر حول طريقة نطق الاسم: هل هو (Elaph) أم (Elaf)؟ ولم أكن أعلم حينها أنّ هذه الصحيفة ستصبح بعد سنوات جزءًا أصيلًا ومحوريًا من حياتي المهنية.

نشأتُ في منزل يعشق الإعلام والثقافة. لم يكن في أسرتنا صحفيون أو إعلاميون، لكن الصحف والمجلات كانت تفصيلًا أساسيًا لا يغيب. كانت تصل إلى منزلنا في حائل، شمال السعودية، يوميًا أربع أو خمس صحف، وتجاورها مجلات متنوّعة مثل «المجلة»، و«اليمامة»، و«سيدتي»، و«الفيصل»، و«المجلة العربية». ومع بدايات دخول الإنترنت إلى بيتنا، أصبحت «إيلاف» إحدى المنصات التي أتابعها باستمرار، بوصفها نافذة مختلفة ومغايرة على الخبر والرأي والثقافة.

السيرة الذاتية الأغرب... وبداية الشغف

ثم جاء نيسان (أبريل) 2011. كانت الساعة تشير إلى الثانية فجرًا في الرياض، وكنت أتصفح «تويتر»؛ منصة «إكس» حاليًا، عندما صادفت إعلانًا تطلب فيه «إيلاف» محرّرين. يومها، أعددتُ أغرب سيرة ذاتية كتبتها في حياتي. لم أكتفِ بذكر شهاداتي وخبراتي، بل كتبت برنامجي اليومي، وقراءاتي، وما أتابعه وما لا أتابعه، والكتّاب الذين أقرأ لهم والذين أخطّط لقراءتهم، وحتى الحفلات الغنائية التي أحضرها، وأرفقت معها بعض التدوينات البسيطة التي كنتُ أنشرها في المنتديات.

أرسلتُ السيرة إلى يوسف الهزاع، مدير تحرير "إيلاف" في الرياض، ولم تمضِ ساعة حتى وصلني الرد:
"سيرة ممتازة... حياك بكرة في مكتبنا في أسواق الأندلس على طريق العليا".

في اليوم التالي بدأت الرحلة. أذكر تلك الأيام بدقة. بدأتُ، ومعي ثلاثة متدرّبين، شهرًا كاملًا من العمل المكثَّف والتعلّم اليومي بين الهزاع والأستاذ نصر المجالي، كبير المحررين في إيلاف. وأعترف أنني كنتُ مُرهقًا للزميل الهزاع بكثرة حماستي. فيوميًا، كنتُ أمطره بأفكار ومقترحات جديدة: تغطية معرض الكتاب، وندوات في مركز الملك فهد الثقافي، وسجالات الليبراليين والإسلاميين، ومؤتمر صحافي هنا، وفعالية هناك. وكم مرّة أرسلتُ له مواد صحافية طويلة، ليطلب مني تعديلها وتنقيحها، أو يوجّهني إلى هدمها ثم إعادة بنائها، لنتعلم كيف تُصنع المادة الرصينة. تلك النقاشات والأحاديث التي دارت بيننا في بداياتي لا أزال أحتفظ بتفاصيلها حتى هذا اليوم.

مدرسة الأسماء الكبيرة

وحين أذكر «إيلاف»، أستحضر الأسماء الكبيرة التي مرّت بها؛ فمن السعودية وحدها، كتب فيها قامات بارزة مثل: ممدوح المهيني، وعبد الله بخيت، ومحمد السيف، وجاسر الجاسر، وسلطان القحطاني، وعبد الله آل هيضه، وغيرهم الكثير والكثير من الصحافيين والكتّاب الذين شكّلوا جزءًا من تاريخها وصناعة وعيها.

وما فتحته لي «إيلاف» من أبواب وعلاقات وفرص، لم يكن ليتحقق لولا الثقة والدعم اللذان وجدتهما من ناشرها ورئيس تحريرها الأستاذ عثمان العمير، ومن نائبة رئيس التحرير الزميلة سمر عبد الملك، وقبل ذلك من مدير مكتب «إيلاف» في السعودية الراحل العزيز ناصر الغنيم، الصديق والمثقف الكبير الذي لا أنساه ما حييت.

بفضل هذه الثقة، انطلقتُ ميدانيًا؛ فذهبتُ لتغطية أحداث عدّة، مثل انتخابات مجلس الأمة الكويتي غير مرّة، وغطّيتُ أحداث العوامية في القطيف حين كانت المنطقة تغلي، وبقيتُ هناك أسبوعًا التقيت خلاله بأهالي المنطقة وأعيانها، إلى جانب عدد من الفعاليات السياسية والثقافية التي مثّلت تجربة صحافية حقيقية بكلّ ما تعنيه الكلمة من نضج ومواجهة.

واللافت أنني، حتى اليوم، كلما ذكرتُ أنني أعمل في «إيلاف» أو أمثّلها، أجد الابتسامة تسبق الحديث، يتبعها سلام ومحبّة للمؤسِّس الأستاذ عثمان العمير، وهو ما يعكس المكانة العميقة التي صنعتها الصحيفة في الذاكرة الإعلامية المحلّية والعربية.

ومما لا أنساه عن العمير دعمه الدائم للصحافيين وثقته الكبيرة بهم. لا أذكر أنه تدخّل في عملي التحريري سوى مرة، عندما طلب أحد الضيوف عدم نشر حوار أُجري معه بعد انتهائه. يومها قال لي الأستاذ عثمان:
«الضيف طلب عدم نشر الحوار؛ إن شئت انشره، وإن شئت فلا تنشره»، تاركًا القرار لي بالكامل.

مع الوقت، وجدت في نفسي ميلًا أكبر نحو الأخبار والتغطيات والحوارات الثقافية والسينمائية. ولعلّ أبرز ما ميّز تلك المرحلة هو المناخ المهني الذي كان يمنح المحرر مساحة حقيقية للمبادرة، لا بوصفها حرية بلا ضوابط، بل ثقةً مسؤولة داخل منظومة تحريرية تؤمن بأن الصحافي الجيد يذهب إلى حيث توجد القصة، ثم يعود بها مادةً قابلة للنشر الرصين.

وبالمناسبة، من يعرفني جيدًا يدرك مدى كرهي لقيادة السيارات، إلا أنني في تلك الفترة كنت أقود لساعات من دون أن أشعر بالتعب إطلاقًا؛ فقد كان الشغف والمتعة أكبر من أي مشقة، وكانت الرغبة في الوصول إلى القصة تسبق أي إرهاق.

من «إيلاف» إلى «فاصلة»... ربع قرن من الريادة

مع مرور السنوات، تغيَّرت أشياء كثيرة في مشهد الإعلام وفي الحياة، لكن «إيلاف» بقيت المحطة الفارقة في مسيرتي. من خلالها تعلَّمت الكثير، وبفضلها فُتحت أمامي أبواب اللقاءات والتجارب والحوارات التي صقلت أدواتي وشكَّلت جزءًا رئيسيًا مما أنا عليه اليوم.

واليوم، وبعد سنوات طويلة من العمل في «إيلاف»، وحتى بعد تأسيسي منصة «فاصلة» المتخصّصة في النقد والأخبار السينمائية، ما زلت أشعر بالامتنان العميق لتلك التجربة الأولى التي منحتني الفرصة لأتعلم، وأخطئ، وأتطوَّر، وأحلم.

في الذكرى الخامسة والعشرين، أستحضر جزءًا من الذاكرة الشخصية، ومن البدايات الأولى، والأحلام التي كانت تبدو بعيدة ثم أصبحت واقعًا معاشًا. شكرًا لـ«إيلاف» وبيئتها الصحية، ولكلّ مَن صنع هذه التجربة وأسهم في استمرارها طوال ربع قرن. وكلّ عام وهي تواصل دورها واحدةً من أهم التجارب الإعلامية العربية التي سبقت عصرها، واستطاعت أن تبقى حاضرة ومتجدّدة عبر الأجيال.

تلك التجربة التي لا أزال أتشرف، في أيّ مناسبة إعلامية أسافر إليها، وكان آخرها مهرجان «كانّ» السينمائي الدولي الشهر الماضي، بأن أجد نفسي، أولًا ودائمًا، ممثّلًا لـ«إيلاف».

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.