: آخر تحديث

الرابح والخاسر في هذه الحرب

1
1
2

ظن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه بمجرد إطلاق رشقة من الصواريخ وقصف الطائرات واغتيال عدد من القيادات العليا للنظام الإيراني والتعهد بمساعدة الشعب الإيراني للانقضاض على هذا النظام، سيخرج الشعب الإيراني فعلاً إلى الشوارع وسيلوحون بأعلام أميركا في ساحة (الحرية) بطهران، وسوف يستقبلون نجل الشاه المخلوع بالورود والرياحين كما فعلوا أول مرة مع الخميني!

بحكم بعده عن الشرق الأوسط وعدم إلمامه بطبيعة المجتمعات الشرقية، انخدع ترامب بكلام ربيبه نتانياهو وشن حربًا لا هوادة فيها ضد إيران. ولكن بعد مرور أربعين يومًا من القصف المتواصل جوًا وبحرًا وبرًا وبمشاركة كثيفة من الطيران الإسرائيلي لم يجن من هذه الحرب سوى الخيبة والخذلان، ووصلت الأمور الآن إلى حد أنه بات يستجدي أي اتفاق مهما كانت التنازلات التي تتطلب ذلك فقط لوقف الحرب والخروج من هذا المستنقع الآسن. لذلك نرى هذا الرئيس يخرج علينا يوميًا بل وفي كل ساعة يبشرنا بقرب الوصول إلى اتفاق وشيك مع إيران، معلقًا كل آماله على بعض التنازلات الإيرانية وبالأخص فتح مضيق هرمز والتعهد بوقف البرنامج النووي الذي أكدت إيران مرارًا وتكرارًا بأنها لا تسعى إلى صنع السلاح النووي بسبب فتوى دينية صادرة عن المرشد الأعلى الإيراني. وأعتقد بأن ترامب يمارس لعبة مشبوهة بإطلاقه لمثل هذه التصريحات المتفائلة حينما يتحدث عن وجود اتفاق وشيك بين أميركا وإيران، وأظن بأن كل ما يفعله هو التلاعب بأسعار النفط لصالح الشركات الأميركية وإلا فليس هناك لا اتفاق وشيك ولا بعيد كما يطمح ترامب لتحقيقه من هذه الحرب.

وعند الحديث عن الفوز والهزيمة في هذه الحرب يجب أن نفهم بأن معيار النصر في أي حرب عند أميركا والغرب ليس هو نفس المعيار المعتمد في الأنظمة الشرقية المستبدة. فهنا في الشرق فإن المعيار الأول للنصر في أية مواجهة عسكرية هو بقاء النظام وصموده في الحروب. فحين خاض صدام حسين حربه ضد إيران فإنه اعتبر نفسه منتصرًا لأنه استطاع أن يصمد أمام محاولات نظام الخميني من تصدير ثورته الإسلامية إلى العراق وإسقاط نظامه ولم يكن معنيًا أو مباليًا بمليون قتيل وجريح سقطوا في تلك الحرب اللعينة. وحين واجه قوات الحلفاء في حرب الخليج الثانية خرج تارة أخرى يعلن انتصاره في الحرب باعتبار أن نظامه قد صمد أمام قوات ثلاثين دولة بقيادة أميركا ولم يسقط، وكذلك لم يبال بسقوط 250 ألف قتيل في تلك المواجهة العبثية.

هكذا هي طبيعة الأنظمة الاستبدادية في الشرق، لا يهمها حجم ومقدار التضحيات التي تقدمها الشعوب في الحروب المهم فقط هو صمود وبقاء النظام. وها هي إيران ونظامها المستبد أيضًا لا يهمها حجم الدمار الذي لحق بالبلاد بقدر ما يهمها الصمود أمام الهجمة الأميركية الإسرائيلية وبقاء نظام المرشد واستمراره بالرغم من تصفية العشرات من قيادات صفوفها الأولى والثانية والثالثة.

والأهم من كل ذلك، فإن أميركا ومعها إسرائيل ظنتا بحساباتهما الخاطئة أن هذا النظام الدموي المستبد الذي يعلق أبناء شعبه بالمشانق في الشوارع ولا يتورع عن قتل عشرات الآلاف من المتظاهرين يمكن إسقاطه بمجرد خروج التظاهرات في الداخل ناسين أو متناسين أن هناك اختلافًا كبيرًا بين الحرب التي أسقطت نظام صدام حسين والحرب التي تخوضها ضد إيران. فالشعب الإيراني وهو صاحب حضارة عريقة كانت تحكم العالم ذات يوم لا يمكن تحت أي ظرف كان أن يفتح أبواب بلاده لاستعمار أو احتلال أجنبي. حتى قوى المعارضة الإيرانية لم تكن مستعدة للتعاون مع الأميركيين لزعزعة الأمن الداخلي وتسهيل الأمور على القوات الأجنبية لدخول البلاد، على عكس المعارضة العراقية التي ركبت الدبابات الأميركية عند احتلال العراق لإسقاط نظام صدام حسين.

على كل حال يبدو أن أميركا تحاول بكل إمكانياتها الحالية سواء من خلال إطلاق التهديدات بإرجاع إيران إلى العصر الحجري أو التلويح بتشديد الحصار الاقتصادي أو حتى تدمير المنشآت النووية الإيرانية، أن توقف هذه الحرب التي تورطت فيها بدفع من إسرائيل، وتحاول الخروج منها بما يحفظ ماء وجهها فهي مرعوبة من اضطرارها إلى العودة للحرب مجددًا بعد أن شهدت مدى قدرة إيران على الصمود وإيذاء حلفائها في الخليج وتحكمها بالاقتصاد العالمي عبر السيطرة على مضيق هرمز.

نعم أميركا خائفة ومرتعبة حتى من التجرؤ على إعلان فوزها بالحرب، وهذا دليل على أن إيران هي المنتصرة في الحرب وفقًا لمعيار الأنظمة المستبدة في الشرق الأوسط بالرغم من كل تمنياتنا لهذا النظام الدموي بالسقوط والهزيمة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.