ليست كل الأنظمة التي تسقط هي أنظمة ضعيفة، وليست كل الأنظمة التي تستمر هي أنظمة ناجحة، فهناك أنظمة تمتلك المال والقوة والسلاح والأجهزة الأمنية والموقع الجغرافي المتميز وعدد السكان الكبير، لكنها تعجز عن تحقيق أبسط شروط النجاح التاريخي: أن تجعل حياة شعبها أفضل مما كانت عليه. ومن هذه الزاوية، تبدو تجربة ولاية الفقيه واحدة من أكثر التجارب السياسية إثارة للجدل في العصر الحديث، بل وأكثرها حماقة!
حين قامت الثورة الإيرانية عام 1979، امتلكت إيران فرصة استثنائية قلما تتكرر في تاريخ الأمم. دولة كبيرة، موقع جغرافي يتحكم بممرات بحرية استراتيجية، ثروات نفطية وغازية هائلة، قاعدة صناعية وعلمية متقدمة نسبيًا، وشعب يتمتع بمستوى تعليمي مرتفع مقارنة بكثير من دول المنطقة. كانت كل المؤشرات تشير إلى إمكانية تحوّل إيران إلى واحدة من القوى الاقتصادية الكبرى في آسيا والشرق الأوسط.
لكن ما حدث كان مختلفًا تمامًا، فبدلاً من بناء نموذج تنموي يركز على الإنسان والاقتصاد والابتكار، اختار نظام ولاية الفقيه أن يجعل الأيديولوجيا محور الدولة، وأن يحوّل السياسة الخارجية إلى ساحة صراع مفتوح مع العالم ومع الجوار الإقليمي. ومنذ تلك اللحظة، بدأت الأولويات تتغير. لم يعد السؤال: كيف نبني دولة قوية؟ بل أصبح: كيف نوسع النفوذ؟ ولم يعد المعيار هو رفاه المواطن، بل قدرة النظام على فرض حضوره في ملفات النزاع.
وهنا تكمن المعضلة الكبرى، فالساسة الحكماء يدركون أن النفوذ الحقيقي يبدأ من الداخل، من الاقتصاد والتعليم والصناعة والبحث العلمي. أما الساسة الأغبياء فيتصورون أن النفوذ يُصنع فقط عبر الشعارات والأسلحة والمواجهات. وبين هذين المنهجين ضاعت عقود طويلة من الفرص التاريخية.
لقد أنفقت إيران موارد ضخمة على مشاريع إقليمية متعددة، بينما كان المواطن الإيراني يواجه أزمات متزايدة في العملة والأسعار والقدرة الشرائية. ومع كل جولة جديدة من العقوبات، كان الثمن يُدفع من جيب المواطن العادي، لا من حسابات أصحاب القرار. ومع ذلك استمرت السياسة نفسها، وكأن الاعتراف بالخطأ أصبح مستحيلاً.
المفارقة أن النظام قدّم نفسه باعتباره مشروعًا لتحرير المنطقة من الهيمنة الأجنبية، لكنه انتهى إلى إدخال البلاد في عزلة طويلة ومواجهات لا تنتهي. لقد تحولت إيران من دولة كان يمكن أن تكون مركزًا اقتصاديًا هائلاً يربط الشرق بالغرب، إلى دولة تستنزف جزءًا كبيرًا من طاقتها في إدارة الأزمات والصراعات.
إن أخطر ما في ولاية الفقيه ليس أنها أخطأت، فكل الأنظمة تخطئ، بل أنها جعلت من الخطأ سياسة مستمرة. فالأنظمة الطبيعية تراجع حساباتها عندما تتعثر، أما الأنظمة العقائدية المتصلبة فغالبًا ما تعتبر المراجعة ضعفًا، وتعتبر الاعتراف بالفشل خيانة، وتعتبر النقد مؤامرة.
ولهذا السبب تتراكم الأخطاء حتى تصبح جزءًا من بنية النظام نفسه.
لقد شهد العالم خلال العقود الماضية نماذج عديدة لدول نهضت من الفقر والحروب والدمار لأنها ركزت على الإنسان والاقتصاد والتكنولوجيا. دول كانت أقل ثروة وأقل مساحة وأقل موارد من إيران، لكنها أصبحت اليوم أكثر تأثيرًا واستقرارًا وازدهارًا. والسبب بسيط: لأنها استثمرت في المستقبل بدلاً من الاستثمار في الصراع.
أما ولاية الفقيه فقد بدت في كثير من الأحيان وكأنها تخوض معارك القرن الماضي بينما يتحرك العالم نحو القرن القادم. وبينما كانت الدول تتنافس في الذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والتكنولوجيا المتقدمة، كانت طهران منشغلة بإدارة شبكة من الأزمات الممتدة عبر الجغرافيا السياسية للمنطقة.
والنتيجة أن إيران، بالرغم من إمكاناتها الضخمة، لم تحقق المكانة التي كانت قادرة على الوصول إليها. فالفجوة بين ما تملكه من مقومات وما حققته فعليًا أصبحت واحدة من أكبر المفارقات السياسية في المنطقة.
إن التاريخ لا يحاكم الأنظمة بناءً على خطابها، بل بناءً على نتائجها. ولا يسأل كم رفعت من شعارات، بل ماذا قدمت لشعوبها. وعندما يأتي يوم الحساب التاريخي، لن يكون السؤال عن عدد المعارك التي خاضها نظام ولاية الفقيه، ولا عن حجم الشعارات التي رفعها، بل عن عدد الفرص التي ضيّعها.
سيُسأل: لماذا لم تتحول هذه الدولة الغنية إلى قوة اقتصادية عالمية؟ لماذا هاجرت آلاف العقول والكفاءات؟ لماذا بقي المواطن يدفع ثمن مغامرات لا تعود عليه بالنفع؟ ولماذا استُبدلت لغة التنمية بلغة المواجهة المستمرة؟
تلك هي الأسئلة التي تطارد الساسة الأغبياء عبر التاريخ.
فالحكمة السياسية ليست القدرة على خلق الأعداء، بل القدرة على بناء المستقبل. وليست في إطالة عمر الأزمات، بل في إنهائها. وليست في تحويل الدولة إلى ثكنة دائمة، بل إلى وطن يزدهر فيه الإنسان.
ولهذا قد يكتب المؤرخون يومًا أن أكبر خطأ ارتكبه نظام ولاية الفقيه لم يكن في خصوماته الخارجية، بل في عجزه عن فهم حقيقة بسيطة: أن الأمم تُبنى بالمصانع والجامعات والعقول، لا بالشعارات وحدها. وأن كل نفوذٍ لا ينعكس أمنًا وازدهارًا على حياة المواطنين ليس نصرًا، بل هزيمةٌ مؤجلة تتدحرج بالوطن نحو هاويةٍ بلا نهاية!


