في العلاقات الدولية هناك حقائق يؤكدها التاريخ، وهي أن السياسة والعلاقات بين الدول لا تبدأ دائماً من قاعات المفاوضات، ولا من فتح السفارات، بل في الغالب هنالك جسور وقنوات أكثر هدوءاً مهدت الطريق قبل توقيع الاتفاقيات الكبرى، والتي من أهمها التجارة والثقافة والعلوم.
ولهذا لم يعد مستغرباً أن تتحول الجامعات ومراكز الأبحاث إلى أدوات تأثير لا تقل أهمية عن السفارات، فالعلوم اليوم لم تعد نشاطاً أكاديمياً معزولاً عن السياسة، بل أصبحت أحد مكونات القوة الناعمة للدول، وأحد المسارات التي تُبنى عبرها العلاقات الدولية وتُدار من خلالها المصالح المشتركة.
هذا ما يعرف اليوم بـ«الدبلوماسية العلمية»، وهو مفهوم برز بقوة خلال العقود الأخيرة، لكنه في الحقيقة أقدم من ذلك، إذ تشير دراسة نشرتها أكاديمية أكسفورد عام 2020 إلى أن مصطلح «الدبلوماسية العلمية» برز في مطلع القرن الحادي والعشرين كمصطلح ومفهوم جديدين في العلاقات الدولية، على الرغم من أن ممارستها لها جذور تاريخية عميقة وأشكال متنوعة لم تُصنّف بهذا الاسم من قبل. وتضيف الدراسة أن دبلوماسية العلوم تقوم على هدفين هما: خدمة المصالح الوطنية للدول، والمساهمة في معالجة القضايا العالمية العابرة للحدود، ومن هنا أصبحت الحكومات تستعين بالعلماء في المفاوضات الدولية، وتعيّن ملحقين علميين في سفاراتها، وتدعم الشراكات البحثية بوصفها استثماراً في النفوذ والمكانة الدولية.
ولعل التجربة الصينية في السنوات الأخيرة تمثل نموذجاً واضحاً لهذا التوجه، فالصين لم تنظر إلى العلوم والتقنية باعتبارها قطاعاً تنموياً فقط، بل جعلتها جزءاً من سياستها الخارجية، وتشير البيانات الرسمية إلى أن بكين وقّعت نحو 115 اتفاقية حكومية دولية في العلوم والتكنولوجيا، وأقامت علاقات تعاون علمي مع 161 دولة ومنطقة حول العالم، وهذه الاتفاقيات لم تكن مجرد برامج أكاديمية، بل كانت جسوراً لبناء الشراكات السياسية والاقتصادية والوصول إلى أحدث المعارف والتقنيات العالمية، وهو ما ساهم في دعم صعود الصين خلال العقود الماضية.
والمثال الأكثر إثارة هو العلاقة بين الولايات المتحدة وكوبا، فعلى الرغم من القطيعة السياسية والحظر الأميركي منذ عام 1961، استمر التعاون العلمي بين البلدين في مجالات الصحة والتقنية الحيوية والأرصاد، وتشير دراسة منشورة عام 2021 إلى أن الأبحاث المشتركة بين العلماء الأميركيين والكوبيين سجلت نمواً متواصلاً خلال أربعة عقود، فيما شهدت فترة تطبيع العلاقات التي قادها الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما عام 2015، أعلى معدل للنشر العلمي المشترك مقارنة بجميع الإدارات الأميركية السابقة، كما توسعت الشبكة العلمية الكوبية بحلول عام 2020 لتشمل نحو 80 في المائة من دول العالم، في دليل واضح على أن العلم نجح في بناء جسور عجزت السياسة عن بنائها.
وليتذكر العالم أن الغرب حين أراد استخدام ورقة المناخ للضغط على منتجي النفط، استخدم ورقة العلم، من خلال سنوات طويلة من دعم الأبحاث التي تربط ظاهرة التغير المناخي باستهلاك النفط، حتى أصبح من الصعب المحاججة بعكس ذلك، ويقاس على ذلك العديد من التوجهات الدولية التي كانت بذرتها من الأبحاث والعلوم.
هذه النماذج تؤكد أن المعرفة أداة تأثير دولية بامتياز، فالدول التي تتيح بياناتها ومعلوماتها وأرشيفها العلمي لا تقدم خدمة مجانية للباحثين فقط، بل تبني حضوراً عالمياً طويل الأمد، وكل دراسة أكاديمية تستند إلى بيانات دولة ما تمثل نافذة إضافية لفهم تجربتها، وكل باحث يعتمد على مصادرها يتحول بطريقة أو بأخرى إلى ناقل معرفي لصورتها وتجربتها وكل دراسة تكتب عنها هي امتداد لقوتها الناعمة.
وخلال أقل من عقد قدمت السعودية نموذجاً لافتاً في الإصلاح المؤسسي والتشريعي، إذ أشاد البنك الدولي بالتجربة السعودية التي شهدت مئات الإصلاحات التنظيمية والتشريعية، فيما أشار تقرير «رؤية السعودية 2030» في عامها التاسع إلى تنفيذ أكثر من 900 إصلاح تشريعي وتنظيمي ساهمت في تحسين بيئة الأعمال ورفع كفاءة الأداء الحكومي.
وقدمت السعودية تجارب ناجحة من خلال مشاريعها المميزة في قطاعات متعددة منها الطاقة والبتروكيماويات والبيئة والزراعة والمياه وغيرها، وارتبط العديد من هذه التجارب بتوجهات عالمية مثل أهداف التنمية المستدامة، ولكن هذه التجارب الفريدة لم تتح للعموم من خلال القنوات المناسبة مثل الأوراق العلمية، وتقارير مراكز الفكر وغيرها، ولم تدرّس بشكل أكاديمي وعلمي، وكان من الممكن تسليط الضوء على هذه النجاحات، لإبراز مكانة السعودية بين الدول الناجحة من خلال تجارب واقعية.
القوة الناعمة الأكاديمية ذات أثر في جذب الاستثمارات لارتفاع موثوقية الأوراق العلمية، وتعمل الكثير من الدول على تقديم نجاحاتها من خلال أبحاث علمية مثبتة وموثوقة، بينما تكتفي بعض الدول بطرح وجهات نظرها من خلال وسائلها الإعلامية الرسمية، والمؤتمرات الصحافية، بل إن البعض منها ذهب إلى التقارير الترويجية المدفوعة التي تنشرها بعض المؤسسات الإعلامية أو البحثية الدولية، وهذه التقارير رغم ما قد تتضمنه من معلومات دقيقة، ينظر إليها على أنها مادة ترويجية أكثر من كونها مرجعاً مستقلاً.
المنافسة اليوم لم تعد على الموارد وحدها، بل على المعرفة أيضاً، والدول التي تنجح في تحويل تجاربها الوطنية إلى معرفة منشورة، وتبني قواعد بيانات متقدمة ومراكز تفكير مؤثرة ومراصد بحثية موثوقة، لا تعزز البحث العلمي فحسب، بل تبني نفوذاً هادئاً وعميقاً يمتد إلى الجامعات ومراكز القرار حول العالم، حيث أصبحت البيانات مادة استراتيجية، وأصبحت دبلوماسية العلوم إحدى أكثر أدوات القوة الناعمة تأثيراً في تشكيل المكانة العالمية للدول.

