لو سألتني: هل يمكن للجامعة أن تخلق السوق من العدم؟ لأجبتك: نعم. يمكن للجامعة أن تفعل هذا. لكن الأذكياء يدركون أن المقصود ليس تحويل الجامعة من جهة تعليمية إلى جهة تجارية، كما لا نقصد أن الجامعة تستطيع خلق السوق بمفردها. نتحدث عن شيء ضمن سياقه، ومعرفة السياق شرط ضروري لفهم المقصود بالكلام.
بعد هذا التمهيد، لا بد أيضاً من إيضاح أننا نتحدث عن الجامعة بوصفها رمزاً للمجتمع العلمي بكل تفرعاته، وليس عن عنوانها القانوني أو المكاني. بديهي أن حديثنا لا يتعلق بالمباني والأماكن، بل التعليم الذي هو الشغل الرئيسي للجامعة. ومن هنا فإن الحديث يشمل أيضاً كل إطار يجري فيه إنتاج العلم أو استثماره. ويدخل فيه بطبيعة الحال المبتكرون والمخترعون الأفراد، والباحثون والمطورون في الشركات الخاصة، بل كل شخص يسعى لتحويل منتجات العقل إلى مصدر للثروة.
ومما يدخل في السياق أيضاً، الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة. عرفت فيما مضى من السنوات شخصاً طامحاً إلى إنشاء مصنع لتدريع المركبات. وقد نجح فعلاً في إنتاج النموذج الأولي لمركبة مدرعة بالكامل. فلما عرضها على شخص رفيع المقام، أصر هذا على أن صناعة المدرعات ليست من شأن الأفراد، وأن عليه أن يسلّم المشروع إلى الحكومة. وقد قبل الرجل هذا الطلب على كراهة. وحين التقيته بعد هذا الحادث بعقد من الزمن، أخبرني أنه حصل على مال كثير، لكنه يشعر بأسى عميق، لأن ذلك المشروع قد مات، فقد سُلّم إلى أشخاص لا يفرّقون بين اقتناء المركبة وصناعتها، وكانوا يعتقدون أن شراء مركبة جاهزة موثوقة، من شركة معروفة، أفضل من إنفاق المال على تجارب لا نعلم نهايتها. هذا -بالطبع- يكشف غفلتهم عن الفارق الجوهري بين صناعة شيء في بلدك، وشراء مصنوعات الآخرين. أعرف مثالين آخرين يشبهان هذا في أكثر التفاصيل، وأحدثها يتعلق بتطوير سيارة كهربائية.
في كل الأمثلة، كان الجميع متفقاً على ضرورة تشجيع المبادرات، لكن قصر نظر بعض الناس جعل المال وسيلة وحيدة للتقدير، في حين كان المبتكر يريد مواصلة العمل، وتذليل العقبات القانونية أو البيروقراطية التي يتمسك بها أشخاص لم يضعوا في اعتبارهم احتمال أن يأتيهم مبتكر من مكان ما، يتطلّع إلى صنع شيء لم يخطر على بالهم من قبل.
أما وقد وصلنا إلى هذه النقطة فلا بد من القول إن بعض المبتكرات تبدو غريبة على المجتمع أو ربما كريهة. وهذه تظهر أكثر ما تظهر في الأفكار وليس التقنيات العملية. فإذا اعتاد المجتمع على التسامح مع الأفكار المخالفة له أو الغريبة عن معتقداته وأعرافه، فهو يؤسّس ما نسميه «السوق الحرة للأفكار» الذي عدّه جون ستيوارت ميل، الفيلسوف الإنجليزي المعروف، أرضية ضرورية للابتكار وإنتاج الجديد. أما إذا قُوبلت تلك الأفكار بالتجاهل، أو تعرّض أصحابها للأذى، فسوف يميل أصحاب الأفكار والمبتكرون إلى الانكماش، وعدم الاكتراث بإنتاج أي جديد، أو ربما يهجرون مجتمعهم إلى مجتمعات يظنون أنها أكثر تقبلاً للجديد.
يمكن للمجتمع أن يساعد المبتكرين، ويمكن له أن يفسح الطريق لهم، وإن لم يساعدهم. في كلتا الحالتين، يجب أن يتبنّى المجتمع عقيدة واسعة، تتسامح مع المختلف، وإن كانت آراؤه مضادة لقناعات المجتمع ومعتقداته.
زبدة القول إن الدور التحفيزي - الحمائي للمجتمع والدولة يتمثل في مساعدة المبتكرين الأذكياء على مواصلة عملهم، وخوض التحدي الذي ظنوا أنهم قادرون عليه، ومساعدتهم في تخطي الصعوبات، وليس استغلالهم في الدعاية أو إقناعهم بالراحة.
المجتمعات التي تحتفي بالأشياء الغريبة والمختلفة وغير المعتادة، أو -على الأقل- تتسامح مع أصحابها، جديرة بأن تتحول إلى حاضنة للإبداع. بعكس المجتمعات التي تحب السيطرة على التغيير والتحكم فيه، أو تشترط الحصول على ترخيص لكل عمل، فهذه أحرى بأن تتحول إلى ثلاجة للمبدعين أو ربما مقبرة.

