يجادل البعضُ أن دخول الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب، وبين النظام الإيراني من جانبٍ آخر شهرها الثالث، يدل على قوة ومناعة هذا النظام واستحالة سقوطه، ولا سيما بالأخذ في الاعتبار حرب الأيام الـ12، وكذلك العقوبات والضغوط الدولية المختلفة المفروضة عليه، وهم يخلصون إلى القول بوجوب تقبّل العالم له كحقيقةٍ وكأمرٍ واقعٍ لا مفر من التعايش معه.
بدايةً، من المهم والمفيد لمن يريد أن تكون له رؤيةٌ دقيقةٌ وواقعيةٌ لهذا النظام مستندةٌ إلى أسسٍ ومقوماتٍ من الواقع الخاص به، أن يأخذ ملاحظةً مهمةً في الاعتبار والأهمية، وهي أنه ليس كنظامٍ تقليديٍ يمكن مقارنته وتشبيهه بباقي الأنظمة السياسية في العالم، بما فيها الأنظمة ذات الطابع الدكتاتوري، إذ هو في الحقيقة والواقع نظامٌ فريدٌ من نوعه، ولا سيما من حيث استغفال الشعوب من خلال استخدام الدين وتوظيفه بأسلوبٍ ونمطٍ يختلفان عن كل النماذج والتجارب السابقة والمعاصرة له.
بهدف ضمان بقائه وعدم تعرضه للانتقاد، قام هذا النظام، ومنذ البداية، بإضافة شيءٍ من الديمقراطية الشكلية لمؤسساته وزعمه بكونه دولة مؤسساتٍ، وأن السلطات الثلاث تتمتع بالاستقلالية عن بعضها، وحتى الادعاء بأن الشعب هو من يحكم، ولكن عند التمعن في نظرية ولاية الفقيه التي بُني النظام على أساسٍ منها، فإنه يتبين أن كل ما زعمه ويزعمه النظام باستقلالية السلطات وحكم الشعب وإرادته محضُ هراءٍ، إذ إن الحاكم المطلق في إيران في ظل هذا النظام هو شخص الولي الفقيه تحديدًا ومن دون منازع.
ومن دون شك، فإن النظام، وعندما قام بجعل بنيته وهيكليته بتلك الصورة التي ذكرناها، فإن هدفه الأساسي كان تحقيق هدفين مهمين هما: إظهار نفسه كأي نظامٍ سياسيٍ آخر في العالم من حيث سلطاته الثلاث ومؤسساته المختلفة. الإيحاء بأن الشعب الإيراني يتمتع بكافة حقوقه الأساسية وله إرادته الحرة في فرض ما يراه مناسبًا وملائمًا له.
وبهذه الواجهة الخشبية خدع واحتال على العالم، ولا سيما على البلدان الديمقراطية، وأخفى خلفها وحشًا فتك ويفتك بالشعب الإيراني من خلال أنظمةٍ صارمةٍ لا تنتمي لهذا العصر بصلةٍ، ومهمة هذا الوحش الذي هو أقرب ما يكون للمسخ المشكَّل من جملة أجهزةٍ ومؤسساتٍ قمعيةٍ ـ أمنيةٍ مدججةٍ بكل وسائل القمع والبطش، هي ضمان المحافظة على بقائه والقضاء على كل ما يحول ويعمل دون ذلك.
وبهذا السياق، فإن ديمومة النظام الإيراني لا تنبع من وحدةٍ أيديولوجيةٍ. فحقيقة عدم تفككه بعد فقدان كبار قادته العسكريين والسياسيين تكشف العكس تمامًا: إن تماسكه لا يستند إلى مُثُلٍ مشتركةٍ، بل إلى مصلحةٍ جماعيةٍ مجردةٍ تتمثل في غريزة البقاء. إن كل عنصرٍ في حرس النظام الإيراني وميليشيا الباسيج يدرك جيدًا أنه في حال انهيار النظام، فإن عقودًا من النهب وسفك الدماء ستطلق العنان لغضبٍ مجتمعيٍ كاسحٍ سيلتهمهم. وبلا ملاذٍ آمنٍ للفرار، فإنهم يتشبثون ببعضهم البعض طالما بقيت البنادق في أيديهم.
وعلى مدار أربعة عقود، صب النظام الكهنوتي موارده في مدن الصواريخ تحت الأرض، والأجهزة الأمنية المتداخلة، والجيوش الوكيلة في الخارج. لكن هذا التركيز الأعمى على البقاء جاء بثمنٍ باهظٍ؛ فالاستثمارات ذاتها التي حصنت النظام ضد الصدمات الخارجية، أفرغت البلاد من التنمية والبنية التحتية، وتركت الاقتصاد في حالة خرابٍ، ودفعت شعبًا متعلمًا وواعيًا سياسيًا للوصول إلى قناعةٍ تامةٍ بعدم وجود أي مسارٍ للإصلاح في ظل هذا الهيكل.
ولا أحد يجادل في القدرة القمعية لحرس النظام الإيراني وميليشياته الواسعة. غير أن سلوك النظام الإيراني في الأشهر الأخيرة يكشف أن رعبه الأكبر ليس من غزوٍ أجنبيٍ، بل من التحام مجتمعٍ يغلي بالغضب مع مقاومةٍ منظمةٍ، متمرسةٍ، ولا تهاب الموت. ومنذ عام 2017، شهدت إيران انتفاضاتٍ وطنيةً متكررةً، رد عليها النظام بوضع المدن تحت الأحكام العرفية الفعلية؛ حيث نشر عشرات الآلاف من القوات عند نقاط التفتيش، وشن حملات اعتقالٍ جماعيةٍ. هذه ليست مجرد استعراضاتٍ إعلاميةٍ، بل هي استعداداتٌ لحربٍ داخليةٍ شاملةٍ. إن التعبئة الداخلية الواسعة للنظام هي أوضح دليلٍ على أنه يدرك هذه الديناميكية الاجتماعية العميقة أفضل بكثيرٍ من العديد من المحللين الخارجيين.
إنَّ الذي يهيمن على النقاشات حول مستقبل إيران، يبدو في ظاهره حاسمًا، لكنه خاطئٌ بامتيازٍ. إن معادلة إسقاط النظام الإيراني، والحل الجذري الوحيد، ليست عسكريةً، بل هي معادلةٌ اجتماعيةٌ بحتةٌ. والنظام نفسه يثبت هذه الحقيقة يوميًا، دون قصدٍ، من خلال طريقة نشره لقواته، واختياره لأهدافه، ووحشيته في معاقبة سجنائه. لقد باتت استراتيجيته للبقاء هي أوضح اعترافٍ بنقاط ضعفه.


