تمرّ السياسة الإسرائيلية اليوم بواحدة من أكثر مراحلها تعقيدًا وضبابية، حيث يتداخل الشخصي بالعام، والملاحقات القضائية بالصراعات الأيديولوجية، ما يجعل الانتخابات القادمة مفترق طرق حاسمًا لهوية الدولة العبرية ومستقبلها. في قلب هذا المشهد، لا يزال بنيامين نتانياهو يمثّل المحور الذي تدور حوله كل التحالفات؛ فهو القوة التي توحّد اليمين والحريديم خلفه، وهو في الوقت ذاته المحفّز الأساسي الذي يجمع خصومه في معسكر المعارضة، رغم التباينات الشاسعة بين أفكارهم.
إن الصعود المرتقب لشخصيات مثل يائير لابيد أو نفتالي بينيت، الذي يعود إلى المشهد بقوة، يطرح تساؤلًا حول قدرة المركز واليمين الليبرالي على تشكيل بديل مستقر.
تشير المعطيات إلى أن أي فوز لأحد هذه الأطراف أمام نتانياهو لن يكون ساحقًا، بل سيعتمد بالضرورة على شبكة معقدة من التحالفات الهشّة. وهنا يبرز دور الصوت العربي كعنصر حاسم وغير مسبوق في تركيبة الكنيست.
إن احتمالية تشكيل قائمة مشتركة تضمّ جميع الحركات والأحزاب العربية تعني عودة القوة العربية إلى ثقلها الطبيعي، وهو ما قد يتجاوز خمسة عشر مقعدًا. هذه القوة ستكون بمثابة السدّ الذي يمنع معسكر نتانياهو من الوصول إلى أغلبية الواحد والستين مقعدًا، لكنها في المقابل تضع أحزاب التغيير أمام اختبار تاريخي.
لقد كسر عام 2021 "المحرّمات" السياسية الإسرائيلية بضمّ حزب عربي إلى الحكومة، ورغم أن تلك التجربة كانت قصيرة، فإنها فتحت الباب أمام إمكانية تكرارها. ومع ذلك، يظل التحدي في قدرة الأحزاب المعارضة لنتانياهو على استيعاب المطالب العربية القومية والمدنية ضمن حكومة تضم أيضًا عناصر يمينية ترفض تقديم تنازلات جوهرية. إن الدور العربي القادم لن يقتصر على منع نتانياهو من الحكم، بل قد يكون الطرف الذي يحدّد ملامح الحكومة القادمة، شرط أن تنجح هذه الأحزاب في صياغة رؤية موحّدة تتجاوز الخلافات الداخلية.
أما السيناريوهات التي تتحدث عن اعتزال نتانياهو مقابل إلغاء محاكمته، فهي تظل فرضية قوية في أروقة السياسة والقضاء. فإذا نجح هذا المسار، فإنه سيفتح الطريق فورًا لتشكيل حكومة وحدة وطنية واسعة تجمع الليكود مع أحزاب المركز. مثل هذه الحكومة قد تجد نفسها في غنى عن العرب والحريديم معًا، ما قد يؤدي إلى تغييرات جذرية في قوانين التجنيد وعلاقة الدين بالدولة، وهو سيناريو يفضّله قطاع واسع من الجمهور الإسرائيلي الذي سئم من الابتزاز السياسي الذي تمارسه الأحزاب الصغيرة.
وفي غياب نتانياهو، يبرز السؤال الجوهري حول مدى التغيير الذي سيطرأ على إسرائيل. الحقيقة أن نتانياهو لم يكتفِ بالحكم، بل قام بخلخلة أسس عميقة في القضاء والإعلام والوعي المجتمعي، وهي تغييرات قد لا تزول بمجرد رحيله. إن إسرائيل التي خلفها نتانياهو هي دولة أكثر استقطابًا ويمينية، وحتى لو رحل الشخص، فإن "النتانياهوية" كنهج سياسي وتعبئة شعبوية قد تظل حاضرة في خلفية أي حكومة قادمة.
التغيير الحقيقي يتطلب أكثر من تبديل الوجوه؛ إذ يحتاج إلى إعادة بناء الثقة في مؤسسات الدولة، وإيجاد صيغة جديدة للتعايش بين المكونات المتصارعة داخل المجتمع الإسرائيلي، وهي مهمة تبدو شاقة في ظل الظروف الراهنة.
وهناك من يرى أن إسرائيل ستتغير بشكل جذري عند رحيل نتانياهو من المشهد، مع كل ما يمثله من شخصنة الدولة وتبعيتها له ولعائلته.

