: آخر تحديث

إيران.. الانهيار الذي يُطبخُ في الغرف المظلمة

6
6
6

لم يعد السؤال في طهران اليوم: من يحكم؟ الإجابة تكمن في: من يملك مفاتيح البقاء في اللحظة التي تسبق الانفجار الداخلي؟

توالت الأحداث منذ رحيل المرشد علي خامنئي لتكشف عن "سيولة استراتيجية" فككت التوازنات القديمة. لقد شكّل صعود نجله، مجتبى خامنئي، إلى سدّة "المرشد الأعلى" الزلزال الأكبر في هذا المسار؛ إذ لم يمر هذا الانتقال بوصفه استمرارية للسلطة، بل تحول إلى فتيل أزمة شرعية عميقة. لقد أدى الجدل الحاد حول أهليته الدينية، وقدرته على إدارة مؤسسة معقدة بحجم إيران، إلى خلق انقسامٍ حادٍ وغير مسبوق بين رجال الدين والمؤسسة الدينية التقليدية.

هذا الشقاق لم يعد مجرد نقاش في أروقة الحوزة، بل تحول إلى صراع هوية داخل النظام، حيث يرى تيارٌ واسع أن التوريث يضرب في الصميم مشروعية "الجمهورية"، بينما يراه تيارٌ آخر طوق النجاة الوحيد لإبقاء نفوذ العائلة.

ومن هذا الفراغ في "الشرعية"، فتحت شهية الحرس الثوري لفرض سيطرته المطلقة؛ فلم يعد الحرس ذراعًا عسكريًا أيديولوجيًا، إنما تحول إلى إمبراطورية اقتصادية تدرك أن أي انتقال للسلطة خارج عباءتها يعني تآكل نفوذها. ومن هنا، فرضت المؤسسة العسكرية حالة من "التجمد القسري" على مفاصل الدولة، مدعيةً حماية الاستقرار، بينما هي تعزز قبضتها على قرار المصير، مستغلةً حالة الغياب والمصير المجهول للمرشد الجديد، وبالتالي انعدام فرص سطوته على مراكز الثقل.

تجاوزت هذه التصدعات أسوار المكاتب المغلقة، لتنتج تخبطًا هيكليًا ظهر جليًا في إدارة الملفات الخارجية. لقد خلق التداخل بين "الحرس" كمحركٍ للسياسة وبين "الدبلوماسية" كواجهة للدولة تناقضات فجة؛ تجسدت في تراجع بزشكيان عن تصريحاته، وتغييب محمد باقر قاليباف المفاجئ عن المشهد. هذه الارتباكات لا تمثل مجرد أخطاء إجرائية، إنما تمثل "صوت الصدوع" داخل منظومة تستميت في إخفاء انقساماتها خلف ستار وحدة الصف.

وفي هذا المناخ المرتبك، رأت واشنطن فرصة سانحة للتوغل. إن مديح ترامب الصريح لقاليباف لم يكن سوى اختراق سياسي محسوب؛ فقد أحدثت هذه الإشادة شرخًا دفع "الحرس" لتحييد الرجل، مما يؤكد أن واشنطن تهدف بهذا الفعل إلى تعميق الانقسام بين أجنحة النظام. وتراهن الإدارة الأميركية هنا على الوقت، مدركةً أن الضغط الاقتصادي والنفسي المتواصل يضع الحرس الثوري أمام معضلة وجودية: إما الاستمرار في نهج التشدد الذي يقود نحو الانهيار الداخلي، أو الانخراط في "صفقة بقاء" تضطرهم لتغيير جلدهم.

بعيدًا عن ضجيج الضغوط الخارجية، تتفاعل داخل هيكل الحرس الثوري نفسه ديناميكيات انشقاق كبرى. تكشف مراقبة مفاصل المؤسسة عن تيارٍ من "القيادات الوسطى"، وهم المهندسون الفعليون للملفات الاقتصادية والأمنية، الذين بدأوا يدركون أن تصلب "الرؤوس الكبيرة" يضع الإمبراطورية المالية على حافة الهاوية. هؤلاء يمتلكون أدوات "الانقلاب المؤسسي الهادئ"؛ إذ بإمكانهم تجفيف منابع التمويل عن مغامرات الصقور، أو تعريض عملياتهم للفشل التكتيكي لإسقاط هيبتهم أمام القيادة الجديدة. إنهم لا يتحركون انطلاقًا من مبادئ سياسية، بل تحركهم دوافع "النجاة بالمكتسبات"، مخططين للإطاحة بالصقور، ليس لإسقاط النظام، تهدف خطتهم إلى إعادة صياغة شروط بقائه عبر تقديمهم كـ"كباش فداء" للمجتمع الدولي، وفتح قنوات تفاوض تضمن حماية أرصدتهم في إيران ما بعد خامنئي.

تُفضي هذه المعطيات إلى مشهدٍ أشبه بمرجلٍ يُغلى على نار هادئة؛ فالهدنة التكتيكية ليست سوى استراحة لإعادة التموضع. إن طهران لا تخوض صراعًا مع الخارج، هي في سباق وجودي مع "ذاتها" لتقرير مآلاتها، حيث يسعى الحرس الثوري لممارسة صلابة المصير، بينما يبحث في الوقت ذاته عن مخرجٍ يمنع انهيار إمبراطوريته.

ما نشهده ليس مجرد ارتدادات لوفاة المرشد، إنما هي "إعادة صياغة قسرية" لوجه إيران. ما يُطبخ اليوم في مطابخ القرار هو صراع مرير على "عقود البقاء"، حيث ستكشف الأيام المقبلة عما إذا كان النظام قادرًا على تدوير زوايا أزمته، أم أن الضغوط البنيوية ستؤدي إلى انهيارٍ من الداخل يسبق أي انفجارٍ من الخارج.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.