: آخر تحديث

وهم الصعود الصيني الروسي

4
4
4

خلال الأعوام الأخيرة، ولا سيما تلك التي كان جو بايدن رئيسًا للولايات المتحدة الأميركية، قيل وكُتب الكثير عن تراجع دور الولايات المتحدة الأميركية كالقوة الأعظم في العالم، وجرى تركيز لافت للنظر على بروز الصين كقوة منافسة وإمكانية أن تزيح أميركا عن مكانتها، مثلما قيل وكُتب عن مسعى روسي لسحب البساط من تحت أقدام القوة التي انفردت بالعالم بعد تفتت الاتحاد السوفياتي.

ولغرض تأكيد التراجع الأميركي وإثبات الصعود الصيني الروسي، تم الاستشهاد بتوسع دور ونفوذ البلدين في آسيا وأفريقيا وأميركا الجنوبية، بل وحتى في أوروبا، ولا سيما من حيث الصعود الصيني. وقد كانت بعض الكتابات والتحليلات تتحدث عن هذا الموضوع وكأنه أصبح أمرًا واقعًا، ولا يحتاج سوى بعض الانتظار الذي لن يطول.

لكن هذا الموضوع، ولا سيما بعد عودة ترامب إلى البيت الأبيض، لم يعد كما كان يبدو في الأعوام الماضية، بل وحتى تراجع إلى الظل، وبات يسير باتجاه الأفول. وحتى إننا لو تناولنا ما حدث وجرى خلال انتخابات الرئاسة الأميركية الأخيرة وانتخاب ترامب، فإن الحدث كان عالميًا بالدرجة الأولى، وكأن الذي يجري في أميركا هو انتخاب سيد للعالم، وليس لذلك البلد فقط.

ومع كل ما قيل ويقال عن ترامب وعقليته في التعامل مع الأحداث والتطورات في العالم كتاجر، لكنه أثبت بأن القرار الذي جرى اتخاذه في واشنطن يسير بكل سلاسة، ولا يوجد هناك من يحول دون تنفيذه، بل هناك فقط اعتراضات تحدث بعدما وقع الفأس بالرأس. ولعل ما حدث في فنزويلا، التي كانت واحدة من براهين الصعود الصيني الروسي، كافٍ للتأكيد على عودة أميركا للسيادة على العالم، بل وحتى إنها كانت ولا تزال كذلك.

الحالة الأميركية حالة لها خصوصيتها، التي تمخضت وتبلورت بعد الحرب العالمية الثانية، وجسدت قوتها وإمكانياتها على مختلف الأصعدة وفي مختلف المجالات. وهذه الحالة لم تكن عرضية أو طارئة، بل بُنيت على أسس وركائز قوية ليس من السهل أبدًا انهيارها. ومن الواضح جدًا أن الصين، ولا سيما خلال العقود الثلاثة الأخيرة، تحاول التأسيس للصعود كالقوة الأعظم، وأرادت تحقيق ذلك من خلال البوابة الاقتصادية، وهو الأمر الذي لا يمكن إنكار تحقيقها لمكاسب نوعية وسعيها من أجل جعلها كأمر واقع. لكن الذي جرى في فنزويلا، وما يجري حاليًا من تحرك أميركي على الملف الإيراني، أثبت بوضوح أن المسعى الصيني قد اصطدم بعقبتين كأداتين، خصوصًا أن الصين سعت لجعل بترول البلدين مصدرًا أساسيًا لطاقتها في هذا الصدد.

وقبل ذلك، لم يكن ممكنًا حدوث ما جرى في المنطقة من تراجع مريع للدور الإيراني لولا المساعي الترامبية. وحتى إن إنشاءه لمجلس السلام في غزة واختياره لأعضائه جرى وكأننا في عصر الإمبراطورية الرومانية.

ومع الأخذ بعين الاعتبار الانتقادات والمآخذ على أميركا ترامب، لكنها ليست إلا كانتقاد الأسلوب والطريقة التي استخدمها متسلق بعد أن أصبح في قمة الجبل.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.