: آخر تحديث

سورُ البلدِ عالٍ

2
2
2

ليس كلُّ سورٍ يُبنى بالحجر، ولا كلُّ ارتفاعٍ يُقاس بالأمتار، فهناك أوطانٌ ارتفع سورها لأن قيمها سبقت جدرانها، ولأن وعيها كان أعلى من كلِّ تهديد. والسعوديةُ العظمى لم تُشيَّد لتكون ردّةَ فعلٍ، ولا لتعيش في حالةِ دفاعٍ دائمٍ، بل وُلدت وهي تعرف أن الثباتَ أصلٌ، وأن السيادةَ لا تُستجدى، وأن من يعرف قدرَ نفسه لا يُرهقه الضجيج.

فسورُ البلدِ عالٍ لأن خلفه تاريخًا لا يبدأ من حدثٍ عابرٍ ولا ينتهي عند أزمةٍ طارئةٍ، فهو تاريخٌ تمرّس بالصبر، وتعلّم من الشدائد، وصقلته التجارب حتى صار القرارُ فيه نتاجَ وعيٍ لا اندفاع. وهذا السورُ حكايةُ أجيالٍ عرفت متى تُمسك الأرض، ومتى تحمي المعنى، ومتى تقول كلمتها دون أن ترفع صوتها.

وفي عالمٍ يخلط بين القوة والاستعراض، اختارت السعودية أن تكون قويةً دون أن تُكثر الحديث عن قوتها، فالهيبةُ هنا لا تُعلن عن نفسها بل تُفهم، ولا تُفرض بالضجيج بل تُثبتها المواقف. فحين تصمت فذلك حسابٌ، وحين تُمهل فذلك قراءةٌ، وحين تحسم تُغلق المشهد دون حاجةٍ إلى شرح. وأعلى الأسوار هو ذلك الذي في الداخل، تماسكُ مجتمعٍ، وثقةُ شعبٍ بقيادته، وانتماءٌ لا يعرف التردد، فهنا لا يكون الوطنُ فكرةً مؤقتةً بل قدرًا مشتركًا يمشي في القلوب قبل أن يُكتب في الشعارات، وبهذا التماسك تفشل محاولات التشكيك وتذوب حملات العبث ويصبح التهديدُ مجردَ اختبارٍ لسلامة البناء.

وسورُ البلدِ لا يحرس الماضي فقط بل يحمي القادم، مشاريعُ تُبنى، ورؤيةٌ تُنفَّذ، وعقلٌ يدير التحوّل بهدوءٍ يعرف أن القوةَ الحقيقية هي أن تصنع الغد وأنت ثابتُ اليوم، فالسعوديةُ لا تلهث خلف الزمن بل تجعله يسير معها، تبني بصمتٍ وتترك للنتائج أن تتكلم عنها. فسورُ البلدِ عالٍ لأنه لم يُرفع بالخوف بل بالثقة، ولم يُشدّ بالانفعال بل بالحكمة، وهو سورُ السيادة، وسورُ الوعي، وسورُ وطنٍ يعرف التاريخُ نفسه من يكون، ومن يقف خارجه قد يرفع صوته، لكن الداخل يبقى آمنًا لأن السورَ أعلى من كلِّ تهديد، ومن يتطاول همسًا، تردّه الهيبة قبل أن يبلغ الصدى.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.