: آخر تحديث

سوريا بين الاحتضار المدني والحظر الطائفي

1
2
2

حين يظهر ما يفزع القطيع، تصير غيرُ المفزوعة قاصيةً معرّضة للهلاك، فيصير الهروب تعقّلاً وحكمةً ومنجاة، ويُمسي التريّث والنظر والتفحّص تهوّراً وحماقةً وسوء مغامرة.

هذا التعقّل يضمحلّ عند القاصية، ليس بوصفه تعقّلاً، وإنّما يصبح انقياداً وتسليماً، فيحلّ محلّه التهوّر، ليس بوصفه تهوّراً كذلك، وإنّما بوصفه جموحاً وإدراك وجود. أي إنّ ثمّة تناقضاً بين نظرتي القطيع والقاصية نحو التعقّل والحكمة والتهوّر والمغامرة. ولهذا فقد أدرك الراعي منذ زمن بعيد أنّه لا يستطيع أن يسوق نعجةً منفردةً من مكان إلى مكان، ولكنّه قادر على أن يقود قطيعاً حيثما شاء. فحين يريد أن يسوق قاصيةً واحدة يضطرّ لوضعها بين عشرات مثلها ليسهل عليه قيادتها، إذ لا يمكن لعشرة رعيان أن يرعوا نعجةً في مرعى من دون أن تتفلّت منهم إلى هذا الزرع أو ذاك النبع أو تعود إلى حظيرتها، في حين يستطيع راعٍ طفل أن يرعى قطيعاً من مئتي نعجة أو أكثر بكل يسر وسهولة، بل كلّما كثر العدد وكبر القطيع صارت القيادة أيسر.

وليس أمام المحرّكين الدوليين اليوم في عالمنا العربي عامّة، وفي سوريا خاصّة، إلّا أن ينقلوا المواطن من حيّز الذات والمواطنة والوعي الحرّ إلى حيّز القطيع الطائفي والوعي القطيعي المجبول على الانقياد والتسليم للركب القطيعي نحو الحظيرة الطائفية، بعيداً عن الوطن وإن كان داخله، كما هي حال «العيس في البيداء يقتلها العطش والماء فوق ظهورها محمول».

فالسوري اليوم ما كان لينقاد نحو الحظيرة، وينسى قيم التحضّر المدني المعاصر، لولا هذا التموضع الذي خلقه له الراعي، فبات خياراً اضطرارياً أُجبر عليه بمكر الراعي، لتصبح سوريا، التي حار فيها قادتها في شعب يرى كلّ واحد منه نفسه نصف إله، مجموعة حظائر يقودها أيّ سمسار وتاجر عقارات بعينين مغمضتين، وينظّم لها حركات شعبها وسكناته وهو يتناول إفطاره أو جالس مع عائلته وأطفاله يتفحّص وظائفهم المدرسية.

لو سُئل أيٌّ من حاضنة السلطة القائمة اليوم عن رأيه وصوته في هذه السلطة، ولو سُئل هذا السؤال قبل عام من اليوم، ولن نقول قبل خمسة عشر عاماً أو أكثر، لأجاب عن يقين وتلقائية بالرفض والنكران والامتناع عن إهدار صوته في المكان الخطأ. ولو سألت قبل خمسة عشر عاماً أيّ كردي سوري عن قسد لردّ كما ردّ مؤيّد سلطة اليوم. وقطعاً ويقيناً كان هذا سيكون جواب الدرزي عن واقعه في محافظته وانقياده للكهننة، وهو من عشّاق المدنية المعاصرة. ويمكن للسائل أن يريح نفسه من مغبّة التعريج على العلويين ورميهم بسؤال أشبه بتهمة وشبهة وسبّة عندهم في أن يُسأل ابن أوغاريت عن فكرة اصطفافه وراء مشيخة معمّمة. هكذا كان سيكون جواب السوريين أفراداً وجماعات، فما الذي حصل؟

لقد جاء الراعي ومعه حظائره، وأشاع أنّ من دخل حظيرةً من حظائره فهو آمن.

وليداري ذاك السوري عيبَ اختياره ويموّه على اضطراره، أقنع نفسه أنّه لولا هذا الخيار الصائب لهلك وهلكت جماعته، فأمست كذبة أشبه بنبوءة حقّقت نفسها (self-fulfilling prophecy). إنّها وهم الهروب من نبوءة الاحتضار إلى بشرى الحظيرة وخلودها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.