: آخر تحديث

الموقف الرمادي

3
3
3

الانحياز للوطن ليس خياراً مؤجّلاً، ولا موقفاً يُرحَّل إلى حين اتّضاح النتائج، بل هو اختبارٌ صريح يُقاس عند الشدائد، وتُعرَف حقيقته في اللحظات التي تختفي فيها المجاملات، وتسقط فيها الحسابات.

وحين يسود الصمت المقنَّع لدى البعض، يصبح من المشروع، بل من الواجب، أن نُعيد النظر في ضجيج كلماتهم السابقة، وفي تلك الأصوات التي ملأت الفضاء الإعلامي صخباً، وقدّمت نفسها بوصفها حارسة، ثم خفتت فجأة عند أوّل اختبار حقيقي للموقف، وكأن الوطن شأنٌ عابر لا يستدعي الحضور.

ذلك الصمت لا يُقرأ براءة، ولا يمكن تبريره بالحكمة أو التعقّل، بل يُفسَّر تلوّناً واضحاً، ويكشف هشاشة خطابٍ كان عالي النبرة في أوقات الرخاء، متراجعاً حين أصبحت الكلمة مسؤولية، وحين صار الموقف ثمناً لا يرغب البعض في دفعه.

وهنا تتبدّى المفارقة المؤلمة؛ ذممٌ تتّسع للمال والمنافع، وتجد ألف مبرّر للسكوت، لكنها تضيق عن كلمة حق، أو موقف صريح، أو اصطفاف أخلاقي لا يقبل التأجيل ولا الالتفاف.

فليست المشكلة في اختلاف الرأي، بل في غياب المبدأ، وفي تحوّل الحياد إلى ستار يختبئ خلفه التردّد والخوف.

إن المنبر الذي لا يحضر عند الوطن، والقلم الذي يتوارى في لحظة المفصل، يفقدان جوهرهما قبل أن يفقدا تأثيرهما، ولا يبقى لهما وزن، مهما كثرت العناوين أو ارتفعت النبرة في غير موضعها.

فالمواقف لا تُقاس بكثرة الظهور، ولا بعدد المتابعين، ولا بحجم الضجيج، بل تُقاس بصدق الانحياز حين يُطلب الثمن، وحين يكون الوطن هو البوصلة الوحيدة، بلا رماديات ولا أنصاف مواقف.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.