: آخر تحديث
مبدعون في الذاكرة (9)

صباح ياسين… بين الحبر والدبلوماسية والهوية القومية

3
3
2

في زمنٍ تتكالب فيه الأزمات على الوعي العربي، وتضيق فسحات الأمل في مشروع نهضوي جامع، تطلّ سيرة الدكتور صباح ياسين كنافذة ثقافية، لا بوصفها سيرة فردٍ اعتلى المناصب، بل بوصفها مسار عقلٍ ظلّ وفيًا لأسئلته الكبرى، متجذرًا في بغداد، ممتدًا إلى فضاءات الفكر والإعلام والدبلوماسية.

وُلد الدكتور صباح ياسين في بغداد عام 1946 في حي الكرخ، المدينة التي تتنفس تاريخًا وتكتب حاضرًا بأحبارٍ لا تجف. هناك، بين أزقة الرافدين ورائحة الكتب في الأسواق القديمة، تفتّحت عيناه على عالمٍ يضجّ بالكلمات والجرائد. لم تكن الصحافة بالنسبة له مهنة عابرة، بل قدرًا ورسالة. في مقاهي بغداد المثقلة بالجدل السياسي والثقافي، تشكّلت ملامح فتىً يرى في الكلمة فعلاً لتغيير الواقع، لا مجرد حبر على الورق.

شدّ رحاله إلى القاهرة، حيث نال الدكتوراه في الإعلام من جامعتها العريقة. عاد إلى وطنه مسلّحًا بأدوات المنهج العلمي، منخرطًا في معترك الصحافة والإذاعة والتلفزيون والعمل النقابي. لم يكن اشتغاله مهنياً فحسب؛ كان مشروعًا متكاملاً لا يُفرِّق بين قاعة المحاضرة وغرفة التحرير ومنبر الندوة، فالهمّ واحد: كيف يُصاغ خطاب عربي واعٍ بقضاياه القومية، مدرك لموازين القوى، وقادر على أن يُفاوض العالم بلغة الحجة لا بعُلوّ الصوت.

في مسيرته الصحفية، تولى مناصب رئيس تحرير لصحف عراقية، ومدير عام للإذاعة والتلفزيون، ونقيب للصحفيين. لكنه ظل يرى أن الصحافة ليست مجرد مهنة، بل ذاكرة وطنية، وضمير حيّ للأمة. كان ناقدًا شجاعًا، يرى أن الصحافة إذا فقدت استقلالها فقدت روحها.

في مؤلفاته المتعددة، من الفكر والقضايا القومية في الصحافة العربية إلى الإعلام والمعارك القومية، ومن الديمقراطية وسياق المبادئ إلى الإعلام والسياسةالعلاقة الملتبسة، تتبدّى ملامح مشروع فكري متماسك، يرى الإعلام حقل صراع تتنازع فيه الرؤى، وتُختبر فيه صدقية الشعارات. الإعلام عنده ليس حيادًا باردًا، بل موقف وهوية وصرخة ضد التزييف، ووسيلة لإحياء الوعي الجمعي في مواجهة هيمنة القوة وانهيار الحرية.

لم يبقَ صباح حبيس المكاتب المغلقة، بل ترجَم أفكاره إلى فعل؛ فأستاذ الدراسات العليا في جامعات بغداد وبيروت واليرموك، وسفير للعراق في الأردن، جمع بين صرامة الباحث وحنكة الدبلوماسي، محوّلًا السفارة إلى فضاء يلتقي فيه الحوار الثقافي بالإعلامي. وبين الإعلام والدبلوماسية، نسج فسيفساء نادرة: أكاديمي وباحث، ثم مفكر ينقّب في طبقات الوعي العربي وأسئلته المؤجلة.

حين أوكلت هيئة أمناء مركز دراسات الوحدة العربية في بيروت إليه مهمة المدير العام، بدا القرار وكأنه استعادة لوشيجة قديمة بين الرجل والمؤسسة. هناك، وسّع جسور التعاون مع مراكز عربية ودولية، وجعل من المركز فضاءً يتنفس تلاقح الأفكار، مؤمنًا أن الوحدة تبدأ من العقل قبل أن تُترجم في السياسة، وليست بيانات مشتركة، بل مشروع نقدٍ شجاع للتجربة العربية المعاصرة، وإحياء لذاكرة الأمة بما يليق بتاريخها وتضحياتها.

ورغم المناصب التي تقلّدها، ظلّ هو نفسه؛ متواضعًا، عروبيَّ الهوى، يقدّم الفكرة على المجد الشخصي، ويجعل من المهنة رسالةً لا وظيفةً عابرة. عرفه زملاؤه، وكنتُ واحدًا منهم، في مجلة صوت الطلبة محررًا للتحقيقات، ثم رئيسًا لقسم التحقيقات، حيث كانت التجربة الأولى والاختبار الحقيقي لصلابة الموقف ونزاهة القلم. هناك، كان يكتب وكأنه يضع روحه على الورق، لا يساوم على الحقيقة، ولا يهادن في المبدأ.

وامتدت صداقتي معه في دروب الغربة، من عمّان إلى إسطنبول، ثم إلى أربيل، حيث كنا نتجوّل معًا في قلعة أربيل القديمة، نستحضر روح بغداد وأسواقها في سبعينات القرن الماضي؛ نستنشق عبق الكتب القديمة، ونستعيد أصوات الباعة وصدى الحوارات التي كانت تصنع ذاكرة المدينة. وظل الرجل هو؛ لا تغيّره الأمكنة ولا الألقاب، ثابتًا في جوهره، صادقًا في عروبته، وفيًا لفكرٍ يرى في الصحافة ضمير الأمة، وفي الكلمة وعدًا لا ينكسر.

أبا مروان ليس مجرد اسم في سجل الإعلام، بل شاهد على زمنٍ كامل، زمنٍ كانت فيه الكلمة سلاحًا، والجريدة منبرًا، والصحفي ضميرًا حيًا. سيرته هي سيرة الصحافة العراقية نفسها: ولادة في بغداد، نضج في القاهرة، عطاء في بيروت وعمان، وذاكرة لا تنطفئ في وجدان الأمة.

هو المبدع الذي لم يكتفِ بأن يكتب عن الصحافة، بل جعل من حياته نصًا مفتوحًا، يقرأه كل من يؤمن أن الكلمة قادرة على أن تُحيي ذاكرة وطن، وتعيد للثقافة العراقية مكانتها بين الأمم. في حضوره، تتجسد الصحافة كرسالة لا كوظيفة، وكهوية لا كواجهة، وكصوتٍ يظل حيًا مهما تغيّرت الأزمنة وتبدّلت الأمكنة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.