: آخر تحديث

إيران بين آلية الزناد وآلية الصراع الداخلي

2
2
2

العقدة ليست في المشكلة التي تواجه الإنسان وإنما في خياراته المطروحة لمواجهتها وحلحلتها، إذ إن الإنسان لو ركّز على المشكلة وجعلها محوراً أساسياً في تفكيره فإنه سيضيف زخماً وقوة إضافية إلى تلك المشكلة، ولكن وفي نفس الوقت فإنَّ الخيارات المطروحة أمامه في مواجهة تلك المشكلة يجب أن تتحلى بالواقعية البناءة لا أن تقوم على تصورات وأفكار تخضع لأحكام القدر أو الصدفة والاحتمال.

مهما سعى المسؤولون في إيران إلى التقليل من شأن إعلان الترويكا الأوروبية عن إعادة تفعيل آلية الزناد والتركيز على قانونيتها أو عدم قانونيتها، وحتى الاستهانة بها والتأكيد على أنهم يعدون لمواجهتها، فإنهم يعلمون جيداً أنهم مقبلون على فصل جديد من الممكن "في حال دخول التفعيل حيز الإجراء" أن يكون أكثر خطورة من مواجهتهم لحرب الأيام الاثني عشر.

في كل حرب عسكرية أو اقتصادية، يكون التعويل والرهان على متانة الجبهة الداخلية، فهي الفيصل. ولو نظرنا إلى روسيا وهي تخوض حربها الضارية في أوكرانيا منذ عام 2022، فإن جبهتها الداخلية ومع وجود بعض المشاكل، تتميز بالقوة، وهذه القوة مستمدة من عدة عوامل يمكن اعتبار العامل الاقتصادي من أهمها، إذ وبالرغم من أنه قد مر ما يقارب من ثلاثة أعوام على الحرب، لكن لا يبدو أن تأثيراتها السلبية على الشعب الروسي قد تجاوزت الحدود، إلى جانب أنَّ العامل القومي الذي يلعب عليه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين له دوره في جعل الشعب يقف خلفه بالإضافة إلى كونه يسيطر على زمام السلطة بيد من حديد.

لو قمنا بمقارنة المشهد الروسي من هذه الزاوية بالمشهد الإيراني في مواجهة إعادة تفعيل آلية الزناد وعودة العقوبات الدولية وتمهيدها لأوضاع وتطورات أسوأ، نجد من الواضح أنَّ الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وحتى السياسية سيئة وليست في المستوى المطلوب لدولة تتأهب لمواجهة حرب اقتصادية مع قوى دولية ليست في مستواها.

بعيداً عن التصريحات الإيرانية المتشددة التي تركز أكثر على الحذلقة والفذلكة في تعابيرها والتي ليست لها أي اعتبار أو صدى في الحقيقة والواقع، فإن هناك أيضاً تصريحات تتسم بشيء من الواقعية التي يمكن الأخذ بها. الحديث الذي أدلى به الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان في لقاء إعلامي له نشر مؤخراً، قال في رده على سؤال حول موقف الحكومة من تفعيل آلية الزناد: "لا نسعى لتفعيل آلية سناب باك إطلاقاً"، بل وجه نقداً لاذعاً للجناح المتشدد في النظام عندما أكد أنَّ "النظريات التي تقول إنَّ العقوبات ليست مهمة لا تتفق مع الواقع. المشاكل التي نواجهها اليوم ناجمة بشكل كبير عن العقوبات. لم يقل أحد إن العقوبات غير فعالة. كما يؤكد قائد الثورة دائما على قسوة هذه العقوبات".

لكنَّ الملاحظة المهمة التي أريد أن ألفت الأنظار إليها في حديث بزشكيان هي تركيزه على الجبهة الداخلية ووجوب تماسكها عندما أعرب عن قلقه بهذا الصدد بما يشبه اعترافاً واضحاً، عندما قال: "لا أخشى من إعادة فرض العقوبات أو التهديدات الخارجية؛ بل أخشى بشكل رئيسي من النزاعات والانقسامات الداخلية والصراعات التي تنشأ أحيانا حول قضايا ثانوية. فالأعداء أيضا يرغبون بحدوث مثل هذه النزاعات تحديدا". وهنا من المفيد أن نشير إلى البيان الذي أصدره ما يسمى بالجناح الإصلاحي في النظام والذي طالب بانتهاج خط واقعي في المفاوضات والحيلولة دون تفعيل آلية الزناد، والذي واجه ليس انتقادات فحسب وإنما هجمات قاسية وصلت إلى حد أن محسن إيجئي رئيس السلطة القضائية هدد بمقاضاة الجناح الإصلاحي في حال عدم تراجعهم عما جاء في بيانهم.

غير أن الذي يحذر ويتخوف منه بزشكيان والنظام بصورة عامة هو الأوضاع السلبية القائمة في عموم إيران والأزمات المعيشية المتراكمة في ظلالها واتساع دائرة الفقر وسعي الأجهزة الأمنية لمضاعفة ممارساتها القمعية. ونشير هنا إلى إصدار مكتب حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في 29 آب (أغسطس) 2025 تقريرا في جنيف حذر فيه من الزيادة الكبيرة في الإعدامات بإيران، وإنه ومنذ بداية العام الميلادي وحتى 28 آب (أغسطس) 2025 تم إعدام ما لا يقل عن 841 شخصا في إيران. وبطبيعة الحال فإن كل ما ذكرناه بمثابة عوامل تجعل المجتمع الإيراني على حافة الانفجار، خصوصا إنه وفي كل عام تزداد نسبة الذين يعيشون تحت الفقر وحتى إنه وخلال عامي 2018 و2019 أضيف أكثر من 10 ملايين شخص إلى شريحة ما دون خط الفقر.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.