بعيدا عن التعريف التقليدي للدولة وعناصرها الثلاث الإقليم والشعب والسلطة، فالدولة ككيان قومى يحكمها مصالح وأهداف عليا تتلخص كلها في الأمن والبقاء والنفوذ والهيمنة والسيطرة.
لذلك، تسعى كل الدول لامتلاك القوة الشاملة وخصوصا القوة الصلبة المتمثلة في القوة العسكرية والإقتصاد.
وهذا ما يفسر لنا ميزانيات التسلح العالية حتى في الدول الفقيرة. واليوم يضاف للقوة الصلبة او الخشنة، القوة الناعمة التى لا تقتصر على الدول الغنية او الكبيرة، بل حتى الدول الصغرى التي يمكن أن تمتلك القوة الناعمة أكثر من غيرها، سعياً للنفوذ وتعزيز تأثيرها الدولي.
وحيث ان الدول تتعامل مع السياسة، فالسياسة هي الوجه الآخر للقوة التي تعني القدرة في التأثير على السلوك السياسي للفاعلين الآخرين بما يتفق ومصالح وأهداف الدولة التي تمارس القوة.
وهكذا تبدو الخارطة السياسية للعالم من منظور السلوك السياسي والتغيير والتبدل الذى يلحق بسلوك الدول.
وكما جاء في كتب الكاتبان غلين بالم وكليفتون "نظرية السياسة الخارجية"، أن الدول في سياستها الخارجية تسعى لتحقيق سلعتين أو أمرين، الحفاظ على الوضع القائم، او السعي لتغيير الوضع القائم.
وهذا يعتمد على القوة التي تمتلكها الدولة وعلى سلوك الدول الأخرى. فالدول ليست حرة فيما تريد وتفرضه على الدول الأخرى. ذلك لأن السلوك ليس ثابتًا بل متغيرًا بتغير موازين القوى وبتغير الفاعلين الدوليين وبتغير التهديدات والمخاطر التى تواجه الدول. فالأعداء يتغيرون والأصدقاء متغيرون وشبكة التحالفات متغيرة، بل الدول ذاتها قد تختفي وتتفكك إلى دويلات.
واليوم لدينا نماذج كثيرة لهذا السلوك والتغيير الذي لحق بدول المنطقة. فالتغيير في السلوك السياسي يواكب دور ومكانة الدولة وحفاظها على أمنها ومصالحها الحيوية.
وإلى جانب ذلك هناك محددات وعوامل أخرى تحكم التغيير في السلوك السياسي للدول، وأهمها رؤية النخبة الحاكمة، ورؤيتها للتحولات السياسية لدى الآخرين وتقييمها للتهديدات.
فالحكم من يقرر في النهاية المصلحة العليا، ولذلك وخصوصا في دولنا، لا يمكن ان يكون الحاكم صورة لمن قبله. ففي هذه النماذج والتي تلعب فيها القيادة الفردانيه الدور الحاسم، يعتمد السلوك على من يحكم.
ولا يمكن تجاهل دور المحددات الجغرافية والجيوسياسية للدولة والمنطقة التي تنتمي لها.
وهناك عامل الطابع القومى أو دور القومية التي تختلف من دولة لأخرى. دولة قوة ودولة إمبراطورية ودولة عدوان وحرب ودولة سلام وتسامح.
وهنا تلعب منظومة القيم والتقاليد السياسية الراسخة والدين والعقيدة الأيدولوجية دورها كعوامل تقف وراء درجة التغيير السياسي وتوجهات وصور هذا التغيير.
وتتحكم بدرجة التغيير السياسي طبيعة النظام وسرعة تقلباته من مرحله إلى أخرى. وهذا قد يفسر لنا حالة التخبط والفشل والتراجع أحيانا في تحقيق أهداف ومصالح الدولة.
وبالنظر للنظم ذات المرجعية الدينية كالنظام الإيراني تتحدد درجة التغيير السياسي بالنظام الحاكم. وهنا تلعب التبريرات الدينية دوراً كبيراً في تبرير قرارات الحاكم وسلوكه السياسي. كما تسيطر سمات التطرف والتشدد والتعصب والجمود في التغيير السياسي، حتى لو أدى ذلك إلى الحروب والصراعات الدولية مع الآخرين.
أما في النظم الديموقراطية، فالتغيير السياسي يكون محكومًا بعوامل كثيرة. فالحاكم ليس حرًا بتغيير السلوك السياسي للدولة مع انتقال السلطة من حاكم إلى آخر. فالتغيير السياسي هنا محكومٌ بماهية المصالح العليا للدولة، بينما يقتصر دور الحاكم على اختيار نهج تحقيقها.
وهذا ما يفسر لنا أيضا سبب العلاقات والتحالفات التي تقيمها التي تقيمها الدول بحسب توجهاتها ومصالحها. فالتغير السياسي هو أحد سمات السلوك السياسي للدولة ولكل الفواعل الدولية التي تقف وراء حالة الصراع والحروب والعنف والسلام والتحالف والتعاون وغيرها من أشكال العلاقات الدولية.
ويبرز في هذا السياق ما يمكن تسميته بنموذج الكوابح والجوامح التي تحدّ من سلوك الدول الأخرى. فالقوة تحد من القوة. ودول القوة ووكلائها يلجؤون للقوة لفرض التغيير السياسي على الدول الأخرى.
وهذا ما نراه بما يقوم به مثلاً حزب الله في لبنان والحوثيون في اليمن من خلال لجوئهم إلى القوة.
وبقدر رشادة الحكم ورشادة القرار السياسي يمكن الحفاظ على التوازن والعقلانية في درجة التغيير السياسي . فتفهم المصالح العليا للدولة ولعبة القوة يمنع الإنجرار في اللعبة التي تمارسها دول القوة وجماعاتها.

