: آخر تحديث

ملامح الهيمنة النفعية في القرن الحادي والعشرين

2
2
1

مثَّلَ مفهوم الهيمنة حجر أساس في الفكر الفلسفي والسياسي والاجتماعي والاقتصادي باعتبار أنه لا يمكن فهم الأطر الاجتماعية والعلاقات خارج معاني الهيمنة وما تنتجه من خصائص تدل عليها وتحددها.

لذلك نلاحظ أن مفهوم الهيمنة بمختلف تمظهراته، قد حكم تاريخ البشرية وكان بوصلته الظاهرة المخفية الأمر الذي يجعل منه مدخلاً لا غنى عنه للفهم والتفسير والوصول إلى استنتاجات للبناء عليها من ناحية، ومن ناحية ثانية من المهم الإشارة إلى أننا لا نتحدث عن معنى واحد للهيمنة حيث إنها تُغير مضامينها بشكل لا ينتبه إليه الجميع فتكون المشكلة عويصة عندما نستمر في تطبيق معنى عفا عليه الزمن للهيمنة والحال أن اللحظة الرّاهنة تقوم على مفهوم مغاير واستحقاقات مختلفة.

لنوضح الفكرة أكثر، في الألفية الثانية ظهرت الطموحات التوسعية التي كانت العلامة الواضحة على ميول الهيمنة في العلاقات بين الدول وتم توظيف، للتمويه التاريخي آنذاك، مفهوم الحماية الذي مثل التعلة لحدوث الحركة الاستعمارية التي اكتوت بنارها البشرية ولا تزال شظاياها إلى اليوم، حيث ينفجر من حين إلى آخر لغم في أفريقيا أو في المغرب العربي، وغير ذلك، إضافة إلى توتر في العلاقات بسبب إصرار الدول التي عرفت الاستعمار على الاعتذار والتعويضات، كما هو الحال في العلاقات الفرنسية - الجزائرية، ورفض الدول الاستعمارية الاعتراف لعلمها بما سيترتب على اعترافها واعتذارها من تعويضات غير قادرة على تحملها.

ملخص الفكرة أنه كان الاستعمار هو الوجه المتعارف عليه للهيمنة في الألفية الثانية، وأدركت البشرية بشاعة هذه الصفحات من تاريخها، وأدركت أن هذا الوجه لا يمكن أن يتواصل مع التغييرات التي عرفتها المجتمعات. مما يعني أن فكرة التوسع بالمعنى التقليدي للكلمة لم تعد مواتية للقرن الحادي والعشرين وفي الألفية الثالثة. وكل المحاولات الراهنة للتوسع وفق الخلفية القديمة لمفهوم الهيمنة فإن مآلها الفشل مهما كانت قوة الدولة وسيطرتها ونفوذها والدولة التي لا تزال تعتقد في الهيمنة على دول أخرى بالمعنى التقليدي الاستعماري، إنما هي بصدد إضاعة الوقت والمال والعتاد والأرواح والتخلف عن ركب الألفية الثالثة التي تقوم على مفهوم يقطع مع الهيمنة القديمة. وينسحب هذا التحليل على مساعي إسرائيل التي روج رئيس وزرائها منذ بضعة أشهر عن حلمه بإقامة «إسرائيل الكبرى»، ومثل هذه الأحلام تثير حساسية الجيران وتضع الدولة التي تتبنى مثل هذه الأحلام في الزاوية تاريخياً ودولياً.

لم يقتصر مفهوم الهيمنة على الحقل السياسي والعلاقات الدولية بل عرفته البشرية منذ تاريخ طويل بوصفه سمة تحكم العلاقة بين الجنسين، وأجريت في مجال الهيمنة الذكورية دراسات وأبحاث وتأسست جمعيات منتشرة في كل أنحاء العالم تدافع عن النسوية وعن المساواة بين الجنسين ونبذ التمييز على أساس الجنس. هذا المعنى تحديداً من الهيمنة يعتبر من تجليات الهيمنة الحديثة وينُتظر أن يبلغ أشده في هذه الألفية التي تجاوزنا فيها الربع الأول من القرن الأول لها. فهو معنى يندرج في جوهر المعنى الجديد للهيمنة.

قلنا إذن إن الهيمنة ميكانيزم رئيس من ميكانيزمات كل العلاقات بغض النظر عن المجال. لذلك فهي لا تنتفي بقدر ما تغير جلدها ومعانيها. لذلك فإن الهيمنة الجديدة تقوم على مضامين جديدة وفيها تتحقق الهيمنة في وجهها الحديث. فالدولة الراغبة اليوم في الهيمنة هي التي تسلك طرقاً جديدة تصب في الخريطة الجديدة للهيمنة الحديثة. والدولة في الوقت الراهن تفهم الطموح التوسعي ليس بالمعنى الجغرافي أو الحربي بل بمؤشرات تجعلها دولة مالكة للقوة أو لأسبابها، ونقصد بذلك أن الهيمنة على الدول الأخرى تكون عندما لا يعاني الشعب من الفقر أو الجوع أو البطالة. وبالفعل تهيمن الدولة في العالم عندما تكون ميزانيتها وميزانها التجاري خارج منطقة العجز. بل إن المورد الأساسي للهيمنة النفعية الحقيقية يكمن في الأشواط المتقدمة التي تنجح أي دولة في قطعها وفي إعلاء قيم المواطنة والعيش المشترك والتعايش. وبناء عليه فإن كل دولة يحلو فيها العيش ومواطنيها في استقرار وأمان وكرامة هي الدولة الطموحة وذات الهيمنة طبقاً للمعنى الجديد. في عصر التطور التكنولوجي والثورة الرقمية وحقوق الإنسان والتفطن إضافة إلى تغيرات المناخ وتداعياتها الاجتماعية الإنسانية الخطيرة، فإن الهيمنة تتحقق بالسيطرة على كل المشكلات المانعة للسعادة والاستقرار والكرامة وهذه هي «البونابرتية» الجديدة، إن جاز التعبير، المناسبة للقرن الحادي والعشرين.

إن المفهوم في ظاهره واحد ولكنه ذلك الواحد المتغير دائماً في معانيه وتمظهراته، والأذكى من يلتقط رسائل الراهن ويتفطن إلى الأثواب الجديدة التي ترتديها المعاني وتجنب الرقص في الهواء ذي التكلفة الموجعة.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد