تعيش المنطقة واحدة من أكثر مراحلها حساسية منذ سنوات طويلة، وسط تصاعد المواجهة المرتبطة بإيران، واتساع القلق الدولي من مستقبل الأمن والطاقة والممرات البحرية، في وقت تبدو فيه دول الخليج أمام موقف سياسي وأمني بالغ الدقة، لأنها تقع جغرافيا في قلب التوتر، بينما ترتبط مصالحها الاقتصادية والاستراتيجية بصورة مباشرة باستقرار المنطقة وهدوء الملاحة وأسواق الطاقة.
ورغم الضغوط الكبيرة التي فرضها التصعيد الأخير، حافظت دول الخليج على موقف متزن اتسم بدرجة عالية من الهدوء السياسي، حيث تجنبت الانجرار نحو خطاب التصعيد، وتمسكت بخيار الاستقرار، ولم تصدر عنها مواقف تدفع نحو توسيع دائرة المواجهة، كما لم تنخرط في ردود انفعالية تزيد من اشتعال المشهد الإقليمي، وهو ما عكس إدراكا خليجيا لطبيعة المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراع مفتوح قد تمتد آثاره لعقود.
هذا الموقف لم يكن ناتجا عن ضعف أو تردد، إنما عن قناعة سياسية واضحة بأن استقرار الخليج يمثل أولوية تتقدم على الاستقطابات الحادة، وأن المنطقة دفعت خلال العقود الماضية ثمنا باهظا للحروب الممتدة والتوترات الإقليمية، ولذلك اتجهت دول الخليج نحو الحفاظ على التوازن، والدعوة إلى التهدئة، والعمل على حماية مصالحها الوطنية والجماعية بعيدا عن مناخ الاستفزاز والاندفاع.
الحرب الحالية تحمل أبعادا تتجاوز حدود المواجهة التقليدية، فهي ترتبط بصراع نفوذ طويل بين مشاريع إقليمية ودولية كبرى، ولكل طرف فيها أهدافه وأولوياته ورؤيته الخاصة لمستقبل المنطقة، بينما تمتلك دول الخليج مشروعا مختلفا يقوم على التنمية والاستقرار والانفتاح الاقتصادي، وهو ما يجعل مصلحتها الحقيقية مرتبطة بمنع اتساع الصراع أكثر من الانخراط فيه.
وفي ظل هذا المشهد، يبدو خيار الحياد النشط أكثر واقعية من أي وقت مضى، لأنه يمنح دول الخليج مساحة لحماية أمنها واستقرارها، مع الحفاظ على علاقاتها الدولية والإقليمية، ويجنب المنطقة الدخول في استنزاف طويل قد ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد والطاقة والاستثمار والمجتمعات الخليجية.
كما أن التمسك بالهدوء السياسي الخليجي خلال الأزمة الحالية بعث برسالة مهمة إلى العالم، مفادها أن المنطقة قادرة على التعامل بعقلانية مع التوترات الكبرى، وأن دول الخليج تدرك خطورة المرحلة، وتعرف أن حماية الداخل الخليجي وتماسكه أكثر أهمية من الانخراط في صراعات مفتوحة لا تبدو نهاياتها قريبة أو واضحة.
وفي النهاية، فإن أخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة ليس الحرب وحدها، إنما فقدان التوازن وسط الضغوط المتصاعدة، ولذلك تبدو الحكمة الخليجية اليوم في الحفاظ على الاستقرار، والابتعاد عن الاستقطاب، والتمسك بخيار التهدئة، لأن الحرب الدائرة مهما اتسعت تبقى حرب الآخرين، بينما يبقى أمن الخليج واستقراره وتنميته هو المشروع الذي يستحق الحماية أولاً.

