: آخر تحديث

من صيد الخاطر: جار السوء كالبحر لا يؤمن غدره

3
2
2

محظوظ من رزقه الله بجيرة طيبة صالحة كجيراني، وسيئ الحظ من ابتُلي بلده بجارَيّ سوء لا يؤمن جانبهما كبلدي، فجارٌ جارَ عليه فغزاه وحرق آباره وسرق ممتلكاته، وجارٌ غدر به واعتدى عليه ودمّر منشآته، كلاهما كان جورهما لحقد وكرهٍ وحسد لا وصف لهما.

نبينا محمد، ﷺ، امتدح الجار الصالح، فقال: «مِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ الْجَارُ الصَّالِحُ، وَالْمَرْكَبُ الْهَنِيء، وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ»، وقال عنه: «ما زال جبريل يوصيني بالجار، حتى ظننت أنه سيورثه»، وربط، عليه السلام، الإيمان بالإحسان للجار، فقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحسن إلى جاره»، وحذر قائلاً: «والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، والله لا يؤمن، قيل: من يا رسول الله؟ قال: الذي لا يأمن جاره بوائقه»، أي غوائله وشروره ومكره وظلمه.

ولكنه استعاذ من جار السوء فقال: «اللهم إني أعوذ بك من جار السوء في دار المقامة، فإن جار البادية يتحول»، فأذى «جار البادية» مؤقت لأنه سيرحل، أما أذى «دار المقامة» فهو مستمر ولا مفر منه، فأين جارا السوء، جارا «دار المقامة»، اللذان غدرا بجارهما، من قول رسولنا.

الشاعر أبوالطيب المتنبي نُسب إليه ما ينطبق تماماً على جار السوء الذي تُضطر إلى التعامل معه يومياً:

وَمِنَ نكَدِ الدُّنْيَا عَلَى الحُرِّ أَنْ يَرَى    عَدُوًّا لَهُ مَا مِنْ صَدَاقَتِهِ بُدُّ

وقال آخر يصف مرارة الرحيل عن داره بسبب جار السوء:

يلومونني أن بعت بالرخص منزلي    ولم يعرفوا جاراً هناك ينغصُ

فقلت لهم كفوا الملام فإنما     بجيرانها تغلو الديار وترخصُ

ونُسب لآخر أبيات تعبر عن جار السوء، قال فيها:

لَوْ كَانَ غَيْرِي جَارُكُمْ لَقَذَفْتُمْ     بِهِ مِنْ أذَاكُمْ فِي مَحَلٍّ بَعِيدِ

وَلَكِنَّنِي صَبْرٌ عَلَى كُلِّ نَكْبَةٍ     وَصَبْرِي عَلَى جَارِي السَّفِيهِ شَدِيدِ

العرب ذكروا جار السوء بأوصاف دقيقة عن خبث سريرته، فقالوا عنه: «إن رأى حسنة كتمها، وإن رأى سيئة أفشاها»، وهذه قمة اللؤم في الجوار، وقالوا إنه «جار الهوان»، وهو الجار الذي لا يشعر المرء معه بالأمان على أهله أو ماله.

فالجيرة في المنظور الديني والأخلاقي والأممي ليست مجرد مجاورة في المكان، بل هي ميثاق أخلاقي يفرض السلام والأمان، حتى مع من نختلف معهم.

وجار السوء الغادر المعتدي لن يفلت من العقوبة، مهما طال به الزمن، والعقوبة التي ستصيبه كارثية مدمرة مهلكة، فالعقوبات التي فرضت على العراق جراء غزوه الكويت غدراً وعدواناً حولته إلى دولة فاشلة، مهلهلة، تتناهشها ميليشيات طائفية عميلة، وانظروا إلى إيران التي غدرت بجيرانها، فسلط الله عليها من هو أقوى منها، فحطم قوتها وأنهك اقتصادها، وأفقر شعوبها، وحولها إلى أمة مفلسة مكروهة منبوذة حتى من جيرانها.

نحمد الله أن عوضنا ورزقنا بجيرة شقيقتنا الكبرى السعودية، فهي التي وقفت معنا وقت المُلِمّات عندما غدر بنا جارا السوء.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد