: آخر تحديث

مأساة البحّارة العالقين في المضيق

2
2
3

الكل يتابع يومياً التطورات المتعلقة بمضيق هرمز الذي أصبح اليوم نجم النشرات الإخبارية. لكن، من سأل عن البحّارة العالقين منذ أكثر من شهرين في بحر لا يتحرك؟

في قلب التوتر الذي يخنق المضيق الأشهر، تتكدس السفن في مناطق الانتظار، ويُختَزل العالم داخل هياكل فولاذية تطفو فوق الماء. هناك لا تقاس الأزمة بعدد الصواريخ، أو التصريحات، بل بعدد الأيام التي يقضيها البحّار بعيداً عن أسرته، وبمستوى القلق الذي ينام ويصحو عليه.

هذه ليست أزمة طاقة فقط، بل أزمة بشر عالقين بين الحرب والبحر. يعيشون حياة مُعَلقة.. لا حرب ولا سلام. يعيشون الخطر الحاضر في كل لحظة، بين صفارات الإنذار المُحتَملة، وأخبار التصعيد التي تصل مُتقطِعة، وتعليمات شركات الشحن التي تتغيّر يومياً. البحّارة في المضيق يعيشون حالة «انتظار قسري». لا يستطيعون التقدم، ولا يملكون قرار العودة، ولا يعرفون متى تنتهي هذه الأزمة. السفن ليست مُصممة للبقاء الطويل في وضع السكون. لذلك يضطر البحّارة الى إدارة الموارد بدقة، تقنين الطعام، مراقبة استهلاك الكهرباء والماء.

واليوم، لا تقف السفن في طوابير طويلة بانتظار الفرج فقط، بل هناك بحارة لا ذنب لهم معتقلون في سجن مياه مُهدّدة بالألغام وبحرب، حاضرة ومؤجلة.

ينشغل العالم بالحديث عن الطاقة، وتعطيل الإمدادات، وعن التهديدات، وننسى أن فوق تلك السفن مأساة. هناك، يعيش آلاف البحارة في حالة انتظار مفتوحة بلا أفق زمني واضح، وبلا قرار بيدهم.

اليوم، لا يمكن فهم الأزمة من دون أرقامها، تقول التقارير: نحو 20 ألف بحار عالقين في محيط المضيق، وبين 1900 الى 2500 سفينة متوقفة، أو متأخرة ما يقارب شهرين من الانتظار، منذ تصاعد الأزمة. هذه ليست مجرّد حركة تجارة مُتعثرة، بل مدن بشرية عائمة، فقدت قدرتها على الحركة. حياة مُعلقة بين البحر والخوف. على متن كل سفينة يوجد 10 بحارة، الى 25 بحاراً من جنسيات متعدّدة، لهم بالطبع أسر تنتظرهم في بلدان بعيدة. لكنهم جميعهم يشتركون في شيء واحد: العجز الكامل عن اتخاذ القرار. لا يستطيعون المغادرة، ولا يملكون تغيير المَسار، ولا يعرفون متى تنتهي الأزمة. ومع مرور الأيام يتحول الانتظار الى ضغط نفسي، وخوف من التصعيد. وعلى الرغم من أن السفن مجهزة بالطعام والوقود لكن هاجس نفادها، وعودة الهجمات تقلقهم. أنظمة تحلية المياه واحتمالات تعطيلها تقلقهم، وقود التشغيل الذي يحرصون على تقنينه أيضاً يقلقهم. وعلى الرغم من قوارب الإمداد التي تصلهم من موانئ الإمارات (خصوصاً الفجيرة)، ومن سلطنة عمان، إلا أن هذه الإمدادات تصبح أبطأ وأكثر خطورة، وأحياناً محدودة، في أوقات التصعيد الذي لا يُعرف له أفق.

أما البضائع العالقة فهي قضية أخرى. السفن لا تحمل النفط فقط، بل تحمل غذاء، أدوية، إلكترونيات، مواد صناعية. بعض هذه البضائع تحتمل التأخير، لكن البضائع المُبردة تدخل في سباق الزمن. إذا استمر التبريد تبقى سليمة، وإذا نفد يبدأ التلف. وهنا تكبر الأزمة تتحول من إنسانية الى اقتصادية عالمية.

مأساة البحارة ليست سابقة، فقد عرف التاريخ أزمات بحرية مشابهة: نذكر منها بعد حرب 1967 احتجزت 15 سفينة لسنوات، ثم تم تقليص الطواقم. السفن بقيت لكن البشر دفعوا الثمن النفسي. وفي مقارنة مع أزمة المضيق نجد أن رفاهية تغيير الأطقم ليست متوفرة في المضيق، ما يزيد في الضغط النفسي على البحّارة العالقين فيه.

وفي حرب الناقلات (1988-1984) بين إيران والعراق، بقيت السفن من مناطق انتظار، استمر التموين، لكن الخوف كان دائماً. والضغط النفسي كان حاضراً، البعد الإنساني هو الوجه الغائب في كل أزمة بحرية، حيث تتكرر القصة نفسها. البحّارة ينقطعون على أسرهم وعن بلدانهم، يعيشون في مساحة مُغلقة. البحّارة لا يشاركون في الحروب، ولا يملكون قرارها، لكنهم أول من يدفع الثمن.

عالقون بين البحر والسياسة، بين الواجب والخوف، بين الانتظار والأمل. هكذا تحوّل المضيق اليوم الى أزمة أرقام وبشر. حين نقول 20 ألف بحّار وآلاف السفن، وشهران من الانتظار، فنحن لا نتحدث أرقام، بل عن حياة مؤجلة فوق سطح البحر.

التاريخ يقول إن السفن يمكن أن تبقى، وإن الإمدادات قد تصل، وإن البضائع قد تنجو، لكن ما لا يقاس هو مأساة بحّار مُحاصر في حرب لا ذنب له فيها.

 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد