تُحدد الولايات المتحدة الأمريكية ساعة الصفر للحرب الروسية الأوكرانية وسيناريوهاتها ومراحلها، وصولاً إلى توقع أعداد القتلى واللاجئين في تصور يثير الرعب والهلع بشكل قد يُسقط كييف دون قتال.
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يدرك تماماً مخاطر الهستيريا الأمريكية تجاه أزمة بلاده، لذلك يصر دائماً في تصريحاته واجتماعاته مع الرؤساء الغربيين على ضرورة منع انتشار الهلع، وهذا ما يتفق عليه الكثير من السياسيين ومنهم البرلماني المعارض فاديم رابينوفيتش لذي أعتبر أن "الحرب قد بدأت! لكن الغرب بالذات هو من يخوضها ضد أوكرانيا" ويدلل على ذلك بأن ما يقوم به الشركاء الغربيون من توصية مواطنين دولهم بمغادرة أوكرانيا، وإجلاء الدبلوماسيين ورحيل المستثمرين منها، ووقف الحركة الجوية، كل هذه الإجراءات تعادل أقوى العقوبات.
واشنطن تجند كافة أدواتها الإعلامية للحديث عن الهجوم الروسي الوشيك، وتبرز الجانب الذي تتبناه هي والذي يظهر موسكو دولة لديها أطماع بابتلاع جيرانها لإعادة أمجاد الاتحاد السوفياتي، دون أي حديث عن هواجس موسكو الأمنية ونقض الاتفاقات التي تمت بخصوص تواجد قوات حلف الناتو في شرق أوروبا وضم أوكرانيا إلى الحلف.
توتير الأجواء وتصعيد لغة الحرب أصبحت السلاح الأقوى ضد كييف، وهي الخاسر الوحيد فشعبها واقتصادها هما مَن يعاني جراء الهستيريا الأمريكية، التي حددت ساعة الصفر للمعركة، في إعلان واضح لفشل كافة الحلول الدبلوماسية.
ولعل السؤال المهم هنا ماذا لو أبقت موسكو على الوضع الحالي لشهور مقبلة، دون أي تحرك عسكري سواء تراجعاً أو تصعيداً، هل ستتحمل كييف كُلفة هذا الأمر؟ وهل اقتصادها يتحمل البقاء تحت التهديد العسكري المباشر، خاصة فيما يتعلق ببقاء الاستثمارات الأجنبية أو تحويل الأموال إلى الخارج؟، أسئلة عديدة تطرح في حال تبني موسكو لمثل هذا السيناريو، والذي تعززه واشنطن بحملتها الإعلامية الرامية إلى توتير الأجواء ودفع المنطقة إلى حرب لا يعرف أحد إلى أين قد يصل مداها.
الوضع الداخلي الأوكراني لن يحتمل المزيد من حالة "اللاسلم واللاحرب"، وقد تشهد البلاد حالة الاضطرابات الداخلية نتيجة الأعصاب المشدودة وسيطرة الهلع على السكان، وهذا ما يخدم روسيا بشكل كبير، فبالمحصلة فأن سقوط الحكومة الحالية قد يفتح الباب واسعاً أمام مجيء حكومة موالية لموسكو على غرار السلطة الحاكمة في روسيا البيضاء، وبذلك تحقق روسيا أهدافها دون أي أضرار عسكرية ومواجهة عقوبات اقتصادية قاسية.
بالمحصلة يبدو أن ما تقوم به واشنطن ليس أكثر من شيطنة موسكو لإشعال حرب قد تمكنها من "قصقصة" أجنحة روسيا التي باتت تشكل مع الصين خطراً حقيقياً على مكانتها وزعامتها للعالم، فكل ما تقوم به أمريكا يدفع تجاه نشوب الحرب من خلال شد الأعصاب إلى الدرجة التي قد تدفع أحدهم لارتكاب خطأ قد يكلف روسيا وأوكرانيا ومن ورائهما أوروبا ثمناً باهظاً، فأولاً وأخيراً لن تدفع أمريكا بجنودها إلى ساحة المعركة ولن تتأثر بأزمة الغاز التي ستنشأ جراء الحرب.

