: آخر تحديث

استكمالاً لحوار سابق.. وحده سبحانه يعلم من سيدخل الجنة

10
18
18
مواضيع ذات صلة

عطفاً على سؤال مقالنا "من سيدخل الجنة؟"، الذي أثار أخيراً بعض التساؤل، أود أولاً أن أوضح أن ما يشغلني هو التفكير بالسؤال وليس السؤال ذاته، وهذا في الحقيقة تفكير يلازمني دائما، مرتبط أشد الارتباط بفهمنا لإشكالية الحساب الأخروي ونظرية والثواب والعقاب الإلهيين، والتي أدّى اختزالها إلى إساءة فهم المقصود بالعمل الصالح لدى كثيرين ممن يظنون أنفسهم مؤمنين ناجين، فقط لأنهم اعتقدوا بمعتقد ما، أو التزموا سلوكاً محدداً، ما سيُدخلهم الجنة، وغيرهم سيذهبون في النار بوصفهم من غير المسلمين، أو لأنهم من الفرق الأخرى التي تُطلق الأحكام عليها جزافاً بأنها ليست الناجية.

تبدأ خطورة الفكرة المرتبطة بالسؤال السابق في رأيي من تعدي بعض المسلمين، من أهل الفتوى أو من غير المختصين بالإفتاء، وتقريرهم مصائر الناس بعد الموت. يحدث هذا كله رغم الإقرار المطلق، بأن أمر دخول الناس للجنة أو النار بيد الله وحده، فهو وحده العلّام بالسرائر، وهو سبحانه التواب الرحيم، إن شاء عذّب وإن شاء غفر. ومع ذلك بات كثيرون يستخفون بهذا الأمر الذي لا يرتبط بالعقيدة وحسن الإسلام فحسب، بل وبالموقف من الغرب الذي تجاوزنا بالتقدم والحضارة والرقي والازدهار، وهزمنا بسبب تقدمه التكنولوجي الذي لم يجد بعضنا رداً عليه سوى تسفيهه واتهامه بالانحلال والضلال، ومن ثم تقرير مصيره عند الله.

يُغفل هؤلاء المكفرون أمراً بالغ الأهمية في فهم سنة الله في خلقه، وهو ذلك الارتباط الوثيق بين حياة الإنسان في الدنيا ومصيره بعد الموت، فقد جعل الله الحياة الدنيا تجربة امتحان وابتلاء، وجعل الإنسان خليفة فيها، أمدّه بالعقل من جهة، وأرسل له الوحي والرسالات من جهة ثانية، وأذن له بحمل الأمانة التي أشفقت منها السموات والأرض والجبال، وكلّفه بالعبادة، والعبادة فقط لا غير، فالله غني عن خلقه وهو القائل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ * مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ * إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾. لذلك فإن الآخرة لا بد وأن تكون مرآة الدنيا، ويكون مصير الإنسان فيها انعكاساً لعمله وخلافته على الأرض، وهذا ما أعتقده عين العدل الإلهي الذي وصف به الله ذاته، لذلك فإن (مَن كَانَ فِي هَٰذِهِ أَعْمَىٰ فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلاً).

أسأل نفسي أولاً، وأسألكم أعزائي القراء: ما هو المعيار الذي اتخذته فئة منا لتقرير أنها ستدخل الجنة دون غيرها؟ وماذا عن بقية خلق الله الذين يشاركوننا الإيمان به، مع أنهم لا يدينون بالدين ذاته، وهم أخوة لنا في الإنسانية، يحبون الخير ويدعون له، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر.
ثم إذا نظرنا إلى الثواب والعقاب بميزان العمل، لأصابتنا الدهشة ممن أمضى حياته يدّعي الإسلام، لكنه لا يلتزم بأحكامه وقيمه، فإذا ما ذكرت أمامه عالماً كبيراً من علماء الغرب، أو اقتصادياً، أو سياسياً محنكاً تدخل بإيقاف حرب بين أمتين، فحقن دماء الكثيرين، أو.. إلخ. ترى صاحبنا يحكم عليه بالكفر ويقرر أن مصيره إلى جهنم والعياذ بالله.

دعاني تأملي الشديد في هذه المواقف إلى الظن بأن أغلب من يحكم على من يختلفون عنا من الشعوب المتطورة بالنار، إنما ينطلق من موقف نفسي مأزوم، وشعور بالدونية والنقص تجاه الآخر، سرعان ما يستبدل به وهم التفوق دينياً على هذا الآخر، فتراه يسارع لحمد الله على نعمة الإسلام، وهي بلا شك نعمة عظمى تستحق الحمد والمنة، ولكن في غير هذه الحال. بل إن الشعور بهذه النعمة يقتضي أن نظهرها للناس في سلوكنا ومعاملتنا الحسنى مع غير المسلمين، على الأقل لأجل الحفاظ على صورة الإسلام كدين للرحمة والتآخي والعدالة.

أتطرق مرة أخرى في هذا الموضوع الشائك وأنا أعرف مغبة الخوض فيه، ولكنني أهدف من ذلك إلى التخفيف من وطأته قدر استطاعتي، داعياً الآخرين إلى ترك أمر الحكم على الآخرين بالجنة أو النار لخالقهما وحده. ولا أظنني في ذلك أخالف شرعاً أو عقيدة، بل أرجو أن تكون دعوتي هذه التزاماً بكلام الله سبحانه وتعالى وهو القائل: (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ)، وايضاً (أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالهُمْ اللَّه بِرَحْمَةٍ اُدْخُلُوا الْجَنَّة لَا خَوْف عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ). وبمثل ما وعد الله به الأولياء وعد أيضاً من آمن به وباليوم الآخر وعمل الصالحات سواء كان يهودياً أو نصرانياً أو صابئاً، أفليس هذا التفسير هو الأقرب لرحمة الله وعدله وعظيم صفاته؟!

ثم تأملت في هذا الدين الذي أنعم الله به علينا، وفي القرآن الكريم الذي أنزله على نبيّنا هدى ورحمة، وفيه تحريم للكبائر، وتوعّد بالعقاب، لكن الكثير من المسلمين يتبعون للأسف سلوكيات لا مسؤولة، ولا أخلاقية، تنفر منها الفطرة السليمة التي فطر الله الناس عليها.
لقد خاطب الله تعالى نبيه وأمته في آيات كثيرة بأن يبصروا ويتفكروا ويعقلوا ويتأملوا... لأن الله يريد بهم الخير وحسن العاقبة. وتالله إن الله لا يرضى أن تكون أمة محمد متخلّفة! تُلغي العقل وتغلق الأبواب أمام الأمم والثقافات الأخرى. وإلا فكيف تكون أمّته خير أمّة أخرجت للناس؟!

أدرك أن بعض كلماتي في المقال السابق كانت قاسية، ولا أكشف سراً إذا قلت أنني تلقيت اتصالات وتساؤلات من أصدقاء وعلماء أجلاء، ومشايخ تقاة ودعاة فاضلين، يعاتبونني حول ما أوردته من عبارات عدّوها تجريحا لمشايخ المسلمين وعلمائهم، فإنني والله أتقبل بكل رحابة صدر ملاحظاتهم وتنبيهاتهم، وأعترف أن صراحتي بلغت حداً جاوز اللازم من جهة، وربما خانني التعبير عما أريد من جهة أخرى. غير أني لم أقصد التجريح أو الحط من قيمة الأمة وشأن علمائها، بل على العكس تماما، أردت أن أحاول تشخيص الداء لمعرفة سبب ما وصلنا إليه من تخلف، بعدما كانت هذه الأمة منارة بين الأمم. وإنّني ممتن لكثير من دعاة الإسلام وشيوخه، ممن عرفتهم شخصياً، أو قرأت عنهم واستمعت لهم، فرأيت أنهم مخلصون في الدعوة الصادقة لله، وفي نشر قيم الإسلام الصحيح المعتدل، التي تقوم على التراحم والإنسانية والعدالة، فلم يتحزبوا لفئة دون أخرى، وظلوا أمثلة للاعتدال والوسطية، وخير دعاة لرحمة الله وفضله وكرمه.

وربما تعود قسوة الخطاب التي تعرضت للوم بسببها إلى الألم الذي ينتابني على حالنا، وبعض التشاؤم من أن عبارات المجاملة لم تعد تجدي مع حال الأمة اليوم، فكان رفع الصوت عالياً بتلك الطريقة بغية التنبيه وشحذ الطاقات اللازمة لنلحق بركب الإنجاز والتأثير في الحضارة المعاصرة. ولزاماً عليّ في هذا المقام أن أوضح أن آرائي تلك بعيدة كل البعد عن التعميم، قصدت فيها دعاة التكفير والقتل من المنضوين تحت تنظيمات الإسلام السياسي ومؤيديهم والمروجين لأفكارهم، أولئك الذين صدّروا للعالم عقيدة القتل والإرهاب والتفجير، ممن غرروا بأبنائنا وشبابنا ليقتلوا إخوتهم في الدين، أو في الإنسانية، ويرتكبوا أبشع الجرائم باسم الإسلام، وما داعش عنّا ببعيد.
وأقول لمن رأى أن عباراتي كانت هدّامة تدميرية، إني أردتها صرخة بوجه الساسة الفاسدين الذين خربوا مقدرات شعوبهم، وأردتها محاولة للتنبيه لقيم ديننا العظيم وهدي نبينا عليه الصلاة والسلام، وما كان سؤالي "من سيدخل الجنة؟" سوى إشارة غير مباشرة لمنظومة التكفير بدل التفكير، التي يغرق في ظلامها عدد غير قليل من المسلمين، ويجب استبدالها بالتفكير الإنساني المشبوب بالوجدان والعاطفة وقيم الأخوة والمساواة، آملاً أن تتغير قناعتنا من: (كل الناس في النار إلا نحن) إلى: (كل الناس في الجنة إلا المجرمين الظالمين)، لأن الجنة لن يدخلها مجرم في حقّ غيره، أو نفسه.

اللهم أخيراً لا تحرمني الأجر مضاعفاً إن أصبت، ولا تحرمني بعضه واعف عني إن أخطأت. وارزقني وجميع من آمن بك الجنة يا رحمن يا رحيم.
 


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في فضاء الرأي