يبدو الإقليم العربي غارقاً في أحمال «النوستالجيا»، ويكاد يتحول الماضي من ذاكرة نتعلم منها إلى أغلال تقيد حركتنا، فالتاريخ ليس سجناً نقيم فيه، لكنه دروس يجب أن نتحرر بها من أخطائنا، ونستشرف بها المستقبل.
وبينما العالم يعيد رسم خرائط القوة والنفوذ، لا يملك العرب ترف البقاء أسرى لما جرى؛ فقد آن الأوان لفتح صفحة بيضاء، نواجه فيها الحاضر بعقل جديد وإرادة مستقلة.
ومن هنا تفرض اللحظة سياسات عربية جديدة تحمي الدولة، وتصون السيادة، وتستعيد القرار العربي، من دون الوقوع في فخ استعادة الحنين. سياسات تواجه الخطر الذي يضرب الدول من الداخل، ويستنزف الشعوب، ويمزق المجتمعات، ويفتح الأبواب أمام التدخلات الخارجية. سياسات تشطب الميليشيات التي تنازع الدولة سلطتها، وتصادر قرارها، وتجر الشعوب إلى حروب مفتوحة.
يقدم التاريخ دروساً قاسية، فظواهر نستهين بها في بداياتها قد تعيد رسم الخرائط. والميليشيات واحدة من أخطر هذه الظواهر؛ تبدأ جماعات مسلحة، ثم تنازع الدولة سلطتها، وتفرض إرادتها على السكان، وتستدعي التدخلات الخارجية، ومع الوقت تقيم سلطات موازية، وتستنزف مؤسسات الدولة، وتهدد كيانها، وقد تدفعها إلى التفكك والانهيار.
ومنذ نشأة الدول العربية الحديثة تعرض مشروع الدولة الوطنية لضربات متتابعة؛ بدأ الاستعمار بتقويض استقلالها، ثم ظهرت جماعات مسلحة وتنظيمات تجاوزت حدود العمل السياسي، ارتبط بعضها بقوى خارجية، ونازعت الدولة سلطتها وقرارها، وكلما ضعفت مؤسساتها تمددت التدخلات الإقليمية، وكلما تعددت مراكز القوة تراجعت سيادة الدولة.
اليمن بصراعاته المسلحة وتدخلات إقليمية غير عربية مزّقت البلاد، وعطلت بناء الدولة. وانظروا إلى لبنان؛ سلاح مستقل ينازع المؤسسات سلطتها، وقرار الحرب والسلم يخضع لمعادلات تتجاوز الدولة. أما السودان، فقد دفع ثمن صراعات طويلة على السلطة والثروة، ثم انفجرت الحرب واليوم تواجه وحدة البلاد ومقدرات شعبها خطراً جسيماً.
وتقدم فلسطين مثالاً صارخاً على الوجه الآخر للخطر؛ فقد طردت ميليشيات «شتيرن» و«الهاغاناه» و«الأرغون» السكان الفلسطينيين الأصليين.
وهكذا ظل الشعب الفلسطيني يقاوم الاحتلال، ويناضل من أجل حريته، وقضيته عادلة، لكن عدالة القضية تحتاج إلى وحدة الصف والقرار؛ فالانقسام يبدد التضحيات، ويمنح الاحتلال فرصاً إضافية، ويؤخر قيام الدولة الفلسطينية المستقلة. غير أن الخطر يتجاوز الصراعات الداخلية والانقسامات الوطنية، حين تتحول الميليشيات إلى أدوات في يد قوى إقليمية، وتصبح أراضي الدول العربية ساحات لتنفيذ مشاريع تتجاوز مصالح شعوبها. وهنا تبرز فلسفة «الوكلاء» التي تتبناها دول مجاورة للجغرافيا العربية، وفي مقدمتها إيران، وهي فلسفة تقوم على إنشاء قوى مسلحة وتنظيمات محلية تدين بالولاء للخارج، وتتحرك وفق حساباته، وتفرض أجندته على الدولة التي تعمل فوق أرضها. وهكذا يصبح القرار الوطني رهينة لقوة خارجية، ويخرج قرار الحرب والسلم من يد المؤسسات الشرعية. هذه وصاية مرفوضة، وسيادة منقوصة، واستقلال يفقد معناه، فلا يجوز أن تتحول الدول العربية إلى ساحات نفوذ، أو شعوبها إلى وقود لصراعات إقليمية، فالقرار العربي يجب أن تصنعه الدول العربية، لا وكلاء القوى الإقليمية، والسيادة لا تستقيم مع وجود قوى مسلحة تنازع الدولة سلطتها، أو تضع قرارها الوطني في خدمة حسابات الخارج.
من هنا تبرز الحاجة إلى سياسات عربية تضع لاءات حاسمة، أولاها: حصر السلاح في سلطة الدولة والقانون، وثانيتها: رفض استخدام الميليشيات لخوض حروب القوى الإقليمية على الأرض العربية، وثالثتها: مواجهة مشاريع تفكيك الدول وتقسيمها، ورابعتها: رفض فلسفة «الوكلاء» التي تنتزع القرار الوطني من مؤسسات الدولة، وتربط مصير الشعوب بحسابات قوى خارجية. لكن البيانات وحدها لا تكفي؛ فالمطلوب استراتيجية تنهي مصادر تمويل الميليشيات وتسليحها غير المشروع.
لقد طال العبث بمقدرات المنطقة، وتعددت القوى التي تتقاسم القرار العربي، ولم تعد الميليشيات خطراً محلياً يمكن احتواؤه؛ إنها بوابة للتدخل الخارجي، وأداة لتفكيك الدول، وتهديد مباشر للمصير العربي المشترك.
وقبل كل شيء علينا التخلص من حالة «النوستالجيا» إلى الماضي القريب، فالأرض تدور.

