ناهد الأغا
في الرياض، يُولد الفرح من رحم التخطيط، وتُدرس تفاصيله بعناية، تقف الهيئة العامة للترفيه كقائدة أوركسترا، تمسك عصاها بحكمة، وتوزّع الألحان على المدن، فتمنح كل فنان خشبة تليق بحلمه، وكل متلقٍّ أمسية تحملها الذاكرة سنوات، لنصغِ جميعًا إلى إيقاع واحد اسمه الحياة.
على مسرح أبي بكر سالم في بوليفارد سيتي، تتعانق الأضواء مع الذاكرة، وتتنفس العاصمة عبق الفنون، هناك وقف فضل شاكر بعد أربعة عشر عاماً من الغياب على خشبة تحمل اسم قامة من قامات الطرب، بنظارته السوداء التي تخفي عينين تشبهان عيني طفل عاد إلى بيته بعد طول غياب، وجد الباب مفتوحًا والقلوب كما تركها، وظنّ أنه يحلم؛ فالمسافة بينه وبين الناس كانت طويلة، والسنوات ثقيلة، لكن التصفيق جاءه كموجة دافئة، فلامس صوتُه أول كلمة، وعادت الروح إلى جسده، غنّى، فترددت الكلمات على الشفاه فرحًا بلقاء تأخر كثيرًا.
في ليلتين متتاليتين، تحت مظلة موسم الرياض، عاد «الغائب» وغنّى «معقول أنساك» و«يا غايب» و«أنا اشتقتلك»، فبدت الأغاني وكأنها تُكتب من جديد على شفاه الحاضرين الذين شاركوه الترديد، وفي السهرة الثانية، تحول الحفل إلى حوار عفوي، اختار فيه المحبون أغنياتهم، فانتقل بين القديم والجديد، بينما شاركه نجله محمد الغناء، ليضيفا معًا دفئًا خاصًا إلى أمسية تجاوزت كونها حفلًا إلى مشهد إنساني مؤثر.
وحين خاطب فضل شاكر محبيه، كانت كلماته قليلة لكنها ثقيلة بالمعنى؛ قال إن ما يعيشه حلم تحقق، وإن الرياض كانت المكان الذي احتضن هذا الحلم.
لقد شكّلت سهرة عودة الغائب حدثًا استثنائيًا جمع بين حنين الرجوع ومفاجآت فنية منحت اللقاء طابعًا خاصًا، وأسهمت في إنتاج تجربة تلقي غير معتادة في سياق الفعاليات الكبرى؛ إذ جاءت منسوجة بعناية من أول فكرة إلى آخر تصفيق، ولم تقتصر النتيجة على إدارة حفل، بل تحققت إعادة اعتبار لإنسان، واستعادة لحضور الذاكرة.
يتصدّر هذه الجهود معالي المستشار تركي آل الشيخ بوصفه فاعلًا قياديًا في هذا الحراك؛ فاسمه صار في ذاكرة المبدعين مرادفًا لمن يفهم اللغة التي لا تقال بالكلمات.
وهذه العودة تبقى تفصيلة صغيرة في وطن عظيم، تتزاحم فيه الفعاليات رغم كل التحديات، في مشهد يؤكد أن الثقافة والفن والترفيه جزء أصيل من نسيج المملكة، فالمملكة التي تحتضن المبدعين، وتفتح لهم المسارح والقلوب، وتدعم الإبداع بكل أشكاله، فتظل العاصمة مسرحًا مفتوحًا للإبداع، وحاضنة للفنانين، وملهمة للجمهور الذي يجد فيها ما يشبه البيت.
ختامًا، وعبر القنوات التلفزيونية الناقلة، كنت هناك بالقلب، والأجمل أن تلك الليلة بقيت تعيش في الأغاني التي أعيد سماعها، في ظل خفيف من الحنين يرافقني، وفي انتظار لقاء قادم أحضره وأغني حتى يصدح صوتي مع صوت فضل.

