لا تقاس قوة الدول فقط بما تحرسه من أرضها أو تنتجه من صناعات وغيرها؛ لأن جانبًا متزايدًا من أمنها ومصالحها بات يمر عبر رقائق صغيرة، وبرمجيات معقدة، وشبكات تحمل بياناتها، وقد يكشف تعطل نظام، أو حجب خدمة، أو انقطاع مكوّن تقني، عن هشاشة لم تُعرف خلال أوقات الاستقرار، حينئذ تدرك الدول أن امتلاك أحدث التقنيات لا يكفل وحده القدرة على التحكم بمصيرها الرقمي.
تبرز هنا أهمية "السيادة التقنية" كركيزة للأمن الوطني، وجوهرها أن تمتلك الدولة المعرفة والقدرة اللازمتين لتشغيل تقنياتها، وحمايتها، وتطويرها، وضمان استمراريتها، فشراء الأجهزة يتيح استخدامها، لكنه لا يمنح بالضرورة مفاتيح صيانتها، كما أن الاشتراك في البرمجيات يوفر خدماتها، لكنه يُبقي مستقبلها مرهونًا بقرارات مزودٍ بعيد.
لا تعني هذه السيادة الانكفاء أو تصنيع كل شيء داخل الحدود! فالصناعات التقنية تتوزع بين دول وشركات مختلفة، إنما تقوم على إدارة الاعتماد المتبادل، وتحديد مواطن الانكشاف، وبناء قدرات وبدائل تحمي حرية القرار.
وتقدم تايوان تجربة ملهمة في بناء الثقل الصناعي التنقي، إذ تأسست شركة "تي إس إم سي" عام 1987 بشراكة بين الحكومة ومستثمرين، وتبنت نموذجًا يركز على تصنيع الرقائق التي يصممها عملاؤها، وأتاح هذا المسار بناء مكانة عالمية مؤثرة في صناعة أشباه الموصلات.
إلى التجربة الأوروبية، التي نجحت في بناء نموذج استقلالي بالشراكة، عبر نظام "غاليليو"، حيث طورت الدول الأوروبية قدرة مشتركة في الملاحة الفضائية وتحديد الموقع والتوقيت، وتتيح الاعتماد على منظومتها عند تعطل أنظمة أخرى أو إيقافها، وهذه تجربة تكشف قيمة جمع الموارد والخبرات لبناء قدرات استراتيجية مرتفعة التكلفة، وتؤكد أن التعاون المنظم يمكن أن يوسع هامش السيادة لدى أطرافه.
تبدأ رحلة البناء بتحديد التقنيات التي يرتبط بها أمن الدولة واستمرار مرافقها، مثل الدفاع، والطاقة، والاتصالات، والصحة، والخدمات المالية، ثم يأتي فحص الاعتماد: من يتحكم في تشغيلها؟ ومن يعالج أعطالها؟ وما البدائل المتاحة؟ وعلى أساس هذا التقييم، تتحدد أولويات التطوير المحلي، ونقل المعرفة، وتنويع الموردين، واختبار خطط الاستمرار.
وفي الأجهزة، ينبغي أن يتجاوز الطموح التجميع إلى التصميم والهندسة والاختبار والصيانة، وفي البرمجيات، تتطلب السيادة فرقًا وطنية قادرة على التطوير، ومعالجة الثغرات، ونقل الأنظمة بين المزودين، أما البيانات -وهي الأهم-، فتقتضي حمايتها ضبط صلاحيات الوصول، والتحكم في مفاتيح التشفير، ووضوح الحقوق المتعلقة بمعالجتها واستخدامها.
لكن تظل الكفاءات البشرية أساس منظومة السيادة التقنية، فالمعدات يمكن استيرادها، أما الخبرة فتحتاج إلى تعليم رصين، وبحث متصل، وتجربة عملية، ومؤسسات تمنح أصحابها فرصة الإنجاز، ويمكن عبر المشتريات الحكومية تسريع هذا التراكم وبناء الخبرات الوطنية، حين تربط العقود بنقل معرفة قابل للقياس، وتأهيل متخصصين، وتنمية شركات وطنية تستند إلى الجودة والقدرة التنافسية.

