قبل أن أستكملَ ما وعدت به في خاتمة المقال السابق، وهو إتمام المقارنة بين هجوم الأب المسيحي لويس شيخو، وهجوم الشيخ المسلم رشيد رضا، على المدارس العلمانية الفرنسية الناشئة في مدن الشرق الأدنى، يجب علي أن أوضحَ ما تجاوزت عن إيضاحه في ذلك المقال، لضرورة الإجمال في خواتیمه.
وأول ما عليّ إيضاحه ماذا ورد في الرسالة التي وجهها محمد نجيب حفار إلى رشيد رضا، الذي عرّف الأخير به بأنه «من أهل العلم في طرابلس الشام».
قال محمد نجیب حفار: «قد اطلعت على كلام لبعض مدرسي المدرسة العلمانية اللادينية التي صار إنشاؤها حديثاً في مدينة بيروت، المسيو أرنولد في جريدة (الخرج) عدد 71 نقلاً عن جريدة (البشير) وعندما فرغت من مطالعتها تخيل لي أن الإسلام قد عاد كما بدأ غريباً كئيباً لا ملجأ له ولا مأوى...».
وبعد سطور من النَوح والنياحة على غربة الإسلام في فاتحة القرن الماضي، تضمنت مبايعته لرشيد رضا بأنه مجدد أمر الدين المرسل من الله في رأس القرن العشرين، استحثاثاً ومناشدة له، لـ«كسر رؤوس الخائنين الكافرين». بالرد والتعليق كما سبق لحضرته وحضرة الأستاذ الإمام (المقصود محمد عبده) أن فعلا، أورد ما قاله المسيو أرنولد. وكان من المفترض أن النوح والنياحة والمبايعة والاستحثاث والمناشدة تأتي بعد إيراده الكلام المنسوب للمسيو أرنولد، مما يدل على أنه لم يكن كاتباً محترفاً.
قال محمد نجیب حفار: «قال الخائن يجب تحطيم الأصنام النخرة، ولا سيما أشدها ثباتاً ونخراً...»، ولا أريد هنا أن أسوق ما قاله لأنه قول تطاول فيه على الذات الإلهية.
في تعليقه على كلام المسيو أرنولد أو من سمّاه «الخائن» أعاد استحثاث ومناشدة رشيد رضا بالرد الشافي على كلامه «وخصوصاً أن كثيراً من المسلمين من أهالي بيروت أرسلوا أولادهم للمدرسة المذكورة لتعلم اللادين».
رسالة الطرابلسي محمد نجيب حفار نشرت في مجلة «المنار» بتاريخ 26 يوليو (تموز) 1911 تحت عنوان «الإلحاد في المدارس العلمانية». نشرت بهذا التاريخ مع أنه أرّخ لانتهائه من كتابتها بتاريخ هجري هو 28 جمادي الثاني 1327!
هذا التاريخ الهجري إذا ما حولناه إلى تاريخ ميلادي، فهو يتوافق مع 15 يوليو 1909. أي أن ما بين تاريخ كتابة الرسالة وتاريخ نشرها في مجلة «المنار» عامین وأحد عشر يوماً!
أما لماذا تأخر نشرها إلى هذا الحد، فهو سؤال حرت في الإجابة عنه.
يشير التاريخ الهجري الذي أثبته محمد نجيب في أسفل رسالته إلى أنه قد كتب رسالته قبل افتتاح الكلية العلمانية رسمياً في بيروت بما يزيد على الشهرين ونصف الشهر.
وهذه المعلومة معلومة مهمة إذا ما ربطناها بالمصدر الذي نقل عنه محمد نجيب حفار كلام المسيو أرنولد.
جريدة «الخرج» لا تهمنا لأنها مصدر ناقل. وبالمناسبة، فاسمها مستمد من اسم عائلة صاحبها متري أفندي الخُرُج. والخُرُج كيس من القماش أو الخيش ذو جيبين يوضع على ظهر الدابة. وقد قصد متري أفندي إلى هذا المعنى، وهو أن جريدته مِزْودة مليئة بالأخبار.
وهناك مثل شعبي شامي يحيل إلى هذا الاسم. هذا المثل الشعبي هو «حُطْ بالخرج». وقد اتخذ يوسف نجم الشماني من هذا المثل اسماً لجريدته الساخرة «حط بالخرج» التي أصدرها في الأرجنتين عام 1919. وهو يقصد به معناه المتداول، وهو لا تعبأ أو لا تكترث. وقد كتب الأديب الساخر سلام الراسي في أحد مقالاته عن قصة هذا المثل وأصله.
الذي يهمنا هو جريدة «البشير». فهي المصدر الأصلي. جريدة «البشير» في بيروت كان يرعاها الآباء اليسوعيون. وهي جريدة دينية كاثوليكية متزمتة متعصبة. وكان شعارها آية من الإنجيل «تعرفون الحق، والحق يعرفكم».
هذه الجريدة كانت تحارب النظريات العلمية الجديدة والأفكار الحديثة والخروج عن قواعد تفكير الكنيسة الكاثوليكية بقليل أو كثير. وكانت تناصب الكلية السورية الإنجيلية (الجامعة الأميركية فيما بعد) العداء لأن القائمين عليها بروتستانت. ولقد اتهمت يعقوب صروف وفارس نمر صاحبي مجلة «المقتطف» بالإلحاد، لتحررهما العقلي، ولأنهما من الطائفة البروتستانتية. وكانت الخصم الخصيم لمجلة «المقتطف»، هذه المبشرة بالعلوم الحديثة والميسرة للقارئ العربي معرفتها.
هذه الجريدة أسسها القس أمبرولز مونو في بيروت عام 1870. وتولى تحريرها فترة من الزمن لويس شيخو.
وكانت تمقت العلمانية حتى بحدها الأدنى مع موالاتها المطلقة والتامة لفرنسا في حالتيها العلمانية: العلمانية المعتدلة والعلمانية المفاصلة.
لذا فهي لفقت كلاماً صاخباً في العداء للأحبار وللكنيسة ولله على لسان المسيو أرنولد حين كانت الكلية العلمانية في طور الإنشاء وقبل افتتاحها الرسمي. فالكلام الذي وضعته لسانه يصطدم بتعاليم وتنبيهات «البعثة العلمانية» المشرفة على الكلية العلمانية البيروتية.
«البعثة العلمانية» في أحد منشوراتها تنقل قولاً لجول فري، مؤسس التعليم الدنيوي في فرنسا، يشرح فيه معنى التعليم الدنيوي، وذلك حين قال شارحاً: «وليس معنى المدارس الدنيوية أنها ضد الأديان بل معناه أنها على الحيدة. لا يحب القائمون بأمر الأمة أن يلقي المعلم في المدرسة رأياً خاصاً له أو رأياً من الآراء التي تروّج في الشوارع والأزقة بل تريده أن يترك من إليه تعليمهم، أن يفكروا كما يشاؤون فإذا خالف ذلك وأورد لهم مبدأً دينياً يخون فيه وطنه وأمته، فالمدارس الدينية ليست مدارس إلحاد، فإذا كانت لا يذكر فيها اسم الله، فليس الغرض من ذلك أنها تخالف الله».
وفي مقدمة الكتاب السنوي للكلية العلمانية جاء تعريف بمهمة «البعثة العلمانية»، هذا نصه:
«إن غاية البعثة العلمانية الفرنسوية خدمة فرنسا خارج فرنسا في مستعمراتها وفي البلدان الأجنبية. ونشر لغتها ومبادئها مع رعاية حرمة الأديان كلها على السواء. وقد رأى القائمون بهذا العمل، أن هذه الخدمة ينبغي ألا يعتمد فيها على ما هو أدعى للتفريق والشقاق بل يجب التذرع بما يؤلف القلوب ويوثق بين الناس روابط الإخاء والمسالمة. لذلك جعل أساس التعليم في هذه المدرسة أدبياً وطنياً لا تعلم فيه نظرية دين من الأديان. على أن للطلاب تمام الحرية في قضاء واجباتهم الدينية، لا يعارضون في شيء من ذلك قطعاً بل تبذل لهم كل وسيلة لازمة لإجرائه».
مخاوف جريدة «البشير» من التعليم الدنيوي أو اللائكي في بيروت كانت مبالغاً بها. ففرنسا مع فصلها الدين عن الدولة فصلاً تاماً في جمهوريتها الثالثة ظلت ملتزمة بالمحافظة على الامتيازات التي حصلت عليها فرنسا في عصورها الدينية من السلطان العثماني سليمان القانوني، بأن تكون هي حامية حمى الكاثوليكية في الشرق، وذلك في عام 1535.
ففرنسا العلمانية، علمانية جذرية، كانت ترعى الكنائس الكاثوليكية خارج فرنسا وتمول مالياً إنشاءها، وتسهل مهام المبشرين الكاثوليك في الدعوة إلى المسيحية الكاثوليكية وبات التبشير عنصراً أساسياً في آيديولوجيتها وهويتها الاستعمارية، مع ما في ذلك من تناقض سافر.
هي تتشدد في تطبيق علمانيتها الجذرية داخل فرنسا وليس خارجها، بل هي على العكس من ذلك كاثوليكية جداً! وللحديث بقية.

