يشكل اقتراب انتهاء مهمة قوة الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان «يونيفيل» نقطة تحول أساسية في تاريخ الجنوب اللبناني، ليس فقط على المستوى الأمني، بل أيضاً على المستويات السياسية والدبلوماسية والاقتصادية والاجتماعية. فبعد عقود من الحضور الدولي على الحدود اللبنانية ـ الإسرائيلية، يجد لبنان نفسه أمام مرحلة جديدة يفترض أن تنتقل فيها مسؤولية الأمن والاستقرار بصورة أكبر إلى مؤسسات الدولة اللبنانية.
وكان مجلس الأمن الدولي قد قرر في القرار 2790 الصادر عام 2025 تمديد ولاية «يونيفيل» للمرة الأخيرة حتى 31 يناير (كانون الأول) 2026، على أن تبدأ بعد ذلك عملية خفض عديدها، وانسحابها بصورة منظمة وآمنة خلال عام. والهدف المعلن هو أن تصبح الحكومة اللبنانية الجهة الوحيدة المسؤولة عن توفير الأمن في جنوب لبنان. لكن السؤال الأساسي لا يتعلق فقط بموعد مغادرة «يونيفيل»، بل بما إذا كانت الظروف السياسية والأمنية التي ستسبق المغادرة تسمح فعلاً بانتقال سلس للمسؤوليات.
منذ تأسيسها عام 1978، ارتبط وجود «يونيفيل» بمحاولات تثبيت الاستقرار في جنوب لبنان، ومراقبة الوضع على الحدود. وبعد حرب عام 2006، توسعت مهمتها بموجب القرار 1701 لتشمل مراقبة وقف الأعمال العدائية، ودعم انتشار الجيش اللبناني، والمساعدة في تأمين الوصول الإنساني وحماية المدنيين، إضافة إلى أدوار مرتبطة بالحدود والخط الأزرق.
إن خروج «يونيفيل» لا يعني ببساطة مغادرة قوة أجنبية للمنطقة، بل يعني انتهاء منظومة دولية لعبت دوراً في مراقبة الواقع الميداني والتواصل بين الأطراف، ومنع سوء الفهم والتصعيد. ومن هنا، تبرز أهمية أن يكون الجيش اللبناني جاهزاً لتولي مسؤوليات أكبر، ليس فقط من الناحية العسكرية، وإنما أيضاً من حيث الانتشار واللوجستيات، والقدرة على مراقبة الحدود، والاستجابة السريعة للحوادث.
فالجنوب اللبناني لا يزال مرتبطاً مسرحاً مفتوحاً للعمليات العسكريّة الإسرائيليّة دون أن تُشكل المفاوضات السياسيّة والتقنيّة المعقدة إنما المتقطعة، بين لبنان وإسرائيل، حافزاً لوقف تلك العمليات التي هي بمنزلة انتهاك فاضح للسيادة اللبنانيّة، وهي رسالة واضحة من إسرائيل أنها ليست مستعجلة إطلاقاً للانسحاب من لبنان أو للتوصل إلى أي ترتيبات تضع حداً للتصعيد الحالي.
إن الحديث عن حقبة «ما بعد يونيفيل» يجب ألا يتحوّل إلى مجرد نقاش حول القوات الدولية، بل إلى نقاش أوسع حول بناء الدولة اللبنانية وقدرتها على تحمل مسؤولياتها السيادية؛ فالقرار 2790 ربط الاستقرار في الجنوب بمبدأ أساسي هو أن تكون هناك سلطة واحدة وسلاح واحد تحت سلطة الدولة اللبنانية.
لكن الانتقال إلى هذه المعادلة لا يمكن أن يتم بمجرد قرار دولي أو انسحاب قوة أممية. إنه يحتاج إلى تسوية سياسية لبنانية واسعة، وإلى توافق حول مستقبل السلاح، وضرورة حصره بيد الدولة وحول دور الجيش، وإلى ظروف إقليمية تسمح بتطبيق هذه الترتيبات من دون اللجوء إلى القوة، إلا أن نجاح المرحلة المقبلة لا يعتمد على لبنان وحده. فإذا بقيت هناك قوات احتلال إسرائيلية أو مناطق عازلة أو عمليات عسكرية داخل الأراضي اللبنانية، فإن مهمة الجيش اللبناني ستصبح أكثر تعقيداً، وسيبقى الجنوب معرضاً للتصعيد حتى في حال اكتمال انسحاب «يونيفيل».
لذلك، فإن أي صيغة مستدامة لما بعد «يونيفيل» يجب أن تتضمن آلية واضحة لضبط الحدود، ومراقبة وقف إطلاق النار، ومعالجة الخروقات، والحفاظ على قنوات اتصال تمنع تحول الحوادث الميدانية إلى حرب جديدة. إن مرحلة ما بعد «يونيفيل» ليست مجرد «اليوم التالي» لخروج القوات الدولية، بل هي اختبار حقيقي لمفهوم الدولة اللبنانية وسيادتها، ولمدى التزام إسرائيل بالقرارات الدوليّة، أو بتقديم سلوك يعكس في مكانٍ ما رغبتها في طيّ صفحة الحرب المفتوحة على لبنان.
إذا نجح لبنان في تعزيز انتشار الجيش، وتأمين الدعم الدولي له، والتوصل إلى تفاهم داخلي حول حصرية السلاح والقرار الأمني، بالتزامن مع وقف فعلي للاعتداءات والخروقات وانسحاب القوات الإسرائيلية من الأراضي اللبنانية، فقد يتحول انتهاء مهمة «يونيفيل» إلى بداية مرحلة جديدة من الاستقرار؛ وإلا فالعكس ممكن أيضاً!

