: آخر تحديث

محاكمة اللغة

5
6
4

عبد الله سليمان الطليان

منذ اللحظة الأولى التي يأتي فيها الإنسان إلى العالم، تبدأ علاقته باللغة، وإن لم تكن اللغة في بدايتها كلمات. فالرضيع لا يستطيع الكلام، لكنه يستطيع التعبير عن الألم والخوف والجوع والحاجة بالبكاء. إنها صورة أولية من صور التواصل تسبق مرحلة الكلمات والجمل والمعاني. ثم، مع نمو الطفل، تتحول الأصوات تدريجيًا إلى كلمات، وتبدأ قدرته على تسمية الأشياء والتعبير عن حاجاته، حتى يصل إلى مرحلة يستطيع فيها وصف مشاعره وأفكاره ومواقفه.

هذه الرحلة تكاد تكون مشتركة بين البشر جميعًا، لكن اللغة التي يكتسبها الإنسان تتشكل في بيئة محددة؛ فالأسرة والمجتمع والثقافة المحيطة به تؤثر في مفرداته وطريقة تعبيره وفهمه للعالم. ولذلك لا يتعلم الإنسان الكلمات وحدها، وإنما يتعلم معها طريقة في النظر إلى الأشياء ووصفها والتعامل معها.

غير أن اللغة ليست مجرد قاموس من الكلمات التي يحفظها الإنسان ويستعملها عند الحاجة. وهنا تأتي أهمية رؤية عالم اللغة نعوم تشومسكي، الذي نظر إلى اللغة بوصفها قدرة إنسانية ذات طبيعة معرفية، وليست مجرد وسيلة لنقل المعلومات. فالإنسان لا يكرر بالضرورة ما سمعه من قبل، بل يستطيع أن ينتج ويفهم عددًا لا حصر له من الجمل الجديدة. ومن ثم ترتبط اللغة بقدرة الإنسان على التفكير والتعبير والإبداع.

وهذا يجعل رحلة الإنسان مع اللغة أكثر تعقيدًا مما تبدو عليه في البداية. فالطفل الذي يبدأ بالبكاء للتعبير عن حاجته، ينتقل إلى الكلمات، ثم إلى الجمل، ثم إلى التعبير عن الأفكار المجردة، وبعد ذلك يدخل عالمًا واسعًا من المعاني والدلالات والمقاصد.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية.

عندما لا تعني الكلمة الشيء نفسه للجميع

الكلمة لا تحمل بالضرورة المعنى نفسه لدى جميع الناس. فقد يقول شخص عبارة وهو يقصد بها معنى محددًا، بينما يستقبلها شخص آخر من خلال ثقافته وتجربته وموقفه النفسي والاجتماعي، فيمنحها معنى مختلفًا.

ومن هنا تتحول اللغة من وسيلة للتفاهم إلى مجال للتأويل والاختلاف.

وقد يكون الاختلاف بسيطًا في الحياة اليومية، لكنه يصبح أكثر تعقيدًا عندما يتعلق بالأفكار والنصوص والقضايا الكبرى. ففي الفلسفة والفكر، لا يكون الخلاف دائمًا حول الوقائع نفسها، وإنما قد يكون حول الكلمات التي نصف بها تلك الوقائع، والمعاني التي نحمّلها لها.

ولهذا ظل التأويل حاضرًا في تاريخ الفكر الإنساني؛ لأن النص الواحد قد يُقرأ بطرق متعددة، والعبارة الواحدة قد تفتح أبوابًا مختلفة من الفهم بحسب السياق والخلفية الثقافية والمعرفية للقارئ.

السفسطة..

حين تتفوق اللغة على الحقيقة

ولعل السفسطة تقدم واحدًا من أقدم الأمثلة الفلسفية على الوجه الآخر للغة. فقد ارتبط السفسطائيون في الفلسفة اليونانية بتعليم الخطابة والجدل وفنون الإقناع، وأصبح امتلاك القدرة على استخدام اللغة والحجة وسيلة مؤثرة في النقاش.

وهنا تظهر قضية جوهرية: ليس كل كلام مقنع صحيحًا، وليس كل كلام صحيح قادرًا بالضرورة على إقناع الآخرين.

فقد يستطيع المتحدث أن يرتب عباراته، وينتقي ألفاظه، ويقدم حجته بطريقة تجعلها تبدو قوية ومتماسكة، بينما تكمن المشكلة في مقدماتها أو في طريقة الاستدلال عليها.

وبذلك يمكن أن تتحول اللغة من وسيلة للبحث عن الحقيقة إلى وسيلة لصناعة الانطباع بالحقيقة.

ومن هنا جاءت أهمية نقد السفسطة في تاريخ الفلسفة؛ فالقضية لم تكن مجرد اختلاف في الآراء، وإنما ارتبطت بسؤال أعمق: هل نبحث عن الحقيقة، أم عن القدرة على إقناع الآخرين؟

وهذا السؤال لم ينتهِ بانتهاء الفلسفة اليونانية، بل ظل حاضرًا بأشكال مختلفة في الحياة الحديثة.

الإعلام.. حين تصبح الكلمات حدثًا

في عصر الإعلام والحوارات التلفزيونية ووسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت اللغة أكثر حضورًا في صناعة الرأي العام. فالكلمة لم تعد تبقى داخل حدود الحوار، وإنما يمكن أن تصل إلى ملايين الأشخاص، ثم يعاد اقتطاعها ونشرها وتفسيرها والتعليق عليها.

وقد يقول المتحدث جملة واحدة ضمن حديث طويل، ثم تُفصل عن سياقها لتصبح عنوانًا أو مقطعًا قصيرًا. عندها لا يعود الجمهور يناقش ما قاله المتحدث كاملًا، وإنما يناقش العبارة التي وصلت إليه.

وهنا تبدأ محاكمة جديدة للغة:

ماذا قال؟

ماذا قصد؟

ماذا فهم الناس من كلامه؟

وهل كان المعنى الذي وصل إلى الجمهور هو المعنى الذي أراده المتحدث؟

وقد تكون المشكلة أحيانًا في أن المتحدث نفسه لا يستخدم الكلمات بالدقة التي يقتضيها الموضوع، أو أن المستمع يحمّلها معنى يتجاوز مقصدها.

وهذا يوضح أن التواصل لا يتوقف عند لحظة الكلام؛ فالكلمة تبدأ عند المتحدث، لكنها لا تنتهي عنده.

المحكمة.. حين تصبح اللغة

جزءًا من البحث عن الحقيقة

ولعل أكثر المجالات حساسية في التعامل مع اللغة هو المجال القضائي. ففي التحقيقات والمحاكم، تُستخدم الأقوال والاعترافات والشهادات لفهم الوقائع والوصول إلى الحقيقة، لكن الكلام هنا لا يكون دائمًا كافيًا بذاته، بل يحتاج إلى أن يوضع في سياقه، وأن يُقارن بالأدلة والقرائن الأخرى.

المتهم يتحدث من موقعه، والشاهد يتحدث من زاوية رؤيته، والمحامي يعيد قراءة الأقوال من خلال حجته، بينما يحاول القاضي أن يضع كل ذلك داخل الإطار القانوني.

ولهذا قد تطول القضية من جلسة إلى أخرى، وتتكرر المرافعات، وتناقش العبارة نفسها أكثر من مرة؛ لأن السؤال لا يكون فقط: ماذا قيل؟ وإنما أيضًا: ماذا كان المقصود؟ وهل يتوافق القول مع الوقائع والأدلة؟

وهنا تصبح المحكمة، بمعنى مجازي، مكانًا آخر من أماكن «محاكمة اللغة».

فالكلمة قد تكون اعترافًا، وقد تكون إنكارًا، وقد تكون شهادة، وقد تكون دفاعًا، وقد تكون رواية ناقصة لواقعة كاملة. ولذلك لا يكفي أن نعرف ما قيل، بل ينبغي أن نعرف مدى علاقته بالواقع، ومدى انسجامه مع الأدلة المتاحة.

بين الكلمة والدليل

وهنا تظهر أهمية التمييز بين الخطاب والدليل.

فاللغة تستطيع أن تصف الواقع، لكنها لا تستطيع دائمًا أن تحل محل الواقع. يستطيع شخص أن يقدم رواية متماسكة ومقنعة، لكن تماسك الرواية لا يعني بالضرورة صحتها. وفي المقابل، قد يكون الدليل المادي أقل بلاغة وتأثيرًا من الكلام، لكنه قد يكون أكثر قدرة على اختبار الرواية.

ولهذا فإن البحث عن الحقيقة لا ينبغي أن يتوقف عند قوة الخطاب، بل يجب أن يتجاوزها إلى الأدلة والسياق والقرائن.

وهذه الفكرة تعيدنا مرة أخرى إلى السفسطة: قد تنتصر اللغة في النقاش، بينما لا تنتصر الحقيقة بالضرورة.

اللغة بين الكشف والإخفاء

اللغة واحدة من أعظم أدوات الإنسان؛ فمن خلالها نقل المعرفة، وكتب التاريخ، وأنتج الأدب والفلسفة والعلم، وعبّر عن الحب والخوف والأمل، ووصف تجاربه الفردية والجماعية.

لكن اللغة، في الوقت نفسه، قد تصبح مأزقًا عندما ننسى أنها وسيلة وليست الحقيقة نفسها.

فالكلمات قد تكشف، وقد تخفي. وقد تقرّب المعنى، وقد تزيده غموضًا. وقد تستخدم للوصول إلى الحقيقة، وقد تستخدم للمراوغة عنها. وقد تجعل الفكرة واضحة، وقد تمنح الوهم مظهرًا من مظاهر الحقيقة.

وهذا هو الجانب الذي يجعل اللغة جديرة بالمحاكمة: ليس لأنها مذنبة، وإنما لأن الإنسان هو الذي يستخدمها، ويحمّلها مقاصده وأفكاره ومصالحه وتفسيراته.

من بكاء الطفل إلى قاعة المحكمة

منذ بكاء الطفل الأول حتى أعقد المرافعات القضائية، تظل اللغة حاضرة في حياة الإنسان. يبدأ بها التعبير عن الألم، ثم تتحول إلى وسيلة للتفكير، ثم إلى أداة للحوار والجدل، ثم تصبح في بعض الأحيان موضوعًا للنزاع نفسه.

فالإنسان لا يعيش فقط في عالم الأشياء، وإنما يعيش أيضًا في عالم الكلمات التي يصف بها الأشياء.

وربما لا تكون المشكلة الكبرى في أن الإنسان لا يستطيع الكلام، وإنما في أنه يستطيع أن يقول الشيء الواحد بطرق متعددة، وأن يسمع الكلام نفسه بمعانٍ مختلفة.

وهنا تلتقي رؤية اللغة بوصفها قدرة إنسانية مع مشكلة التأويل والسفسطة والإعلام والقضاء. فالقدرة على إنتاج الكلام وفهمه من أعظم مظاهر الإنسان، لكنها في الوقت نفسه تضعه أمام مسؤولية أكبر: كيف يستخدم هذه القدرة؟ وهل يجعل من اللغة طريقًا إلى الحقيقة، أم ستارًا يحجبها؟وفي النهاية، تبقى المسألة الأهم: حين نختلف حول الكلمات، هل نحن نختلف حول اللغة، أم حول الحقيقة التي تقف خلفها؟

إنها ليست محاكمة للكلمات وحدها، بل محاكمة للطريقة التي نستخدم بها الكلمات للوصول إلى الحقيقة أو الابتعاد عنها.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد