: آخر تحديث

البرازيل... انتخابات أم صراع على الهويّة؟

6
5
5

الاحتدام الذي تبدّى بين اليسار واليمين في الجولة الأولى من الانتخابات الرئاسية في البرازيل الأحد الماضي، يلقي بتأثيراته على كامل الخريطة السياسية لأميركا الجنوبية. ينحصر التنافس بين الرئيس المنتهية ولايته لويس إيناسيو "لولا" دا سيلفا اليساري، والمرشح اليميني فلافيو بولسونارو نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو، الذي احتل المركز الأول في الجولة الأولى، ما حتّم إجراء جولة ثانية في 25 تشرين الأول/ أكتوبر."لولا"، الذي ترأس البرازيل ثلاث مرات ويسعى إلى الرابعة، لا يسعفه الوضع الاقتصادي، الذي يعاني من ارتفاع الإنفاق والدين العام الذي تجاوز 82 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، بينما خفضت الحكومة توقعاتها للنموّ هذا العام إلى 2 في المئة و2.3 على التوالي.ويشدد "لولا" على أن سيادة البرازيل باتت على المحك في مواجهة ضغوط إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، التي فرضت رسوماً جمركية على السلع البرازيلية. ووضع "لولا" تعريفاً لحملة الولاية الرابعة، على أنه "خيار بين تعزيز النظام الديموقراطي والهمجية".لا يخفي "لولا" معارضته لسياسات ترامب، ليس إزاء البرازيل فحسب، بل في مناطق أخرى من العالم. وفي مقابلة مع صحيفة "إلباييس" الإسبانية، انتقد الرئيس البرازيلي أسلوب ترامب في الحكم قائلاً إنه "ليس من حقه أن يستيقظ صباحاً ويعمد إلى تهديد دولة ما".وفي فترات الخلاف التجاري، وتحديداً عندما فرض ترامب رسوماً جمركية بنسبة 50 في المئة على المنتجات البرازيلية عام 2025 وسنّ عقوبات على خلفية محاكمة حليفه الرئيس السابق جايير بولسونارو، انتقد ترامب السياسات البرازيلية، وقال علناً إن البرازيل "أداؤها ضعيف وستستمر في الأداء الضعيف" بسبب نهج قيادتها. وبناءً على ذلك، استقبل ترامب فلافيو بولسونارو في البيت الأبيض في أيار، في خطوة اعتُبرت دعماً لحملته الانتخابية.وبما أن البرازيل هي أكبر دولة في أميركا الجنوبية من حيث الاقتصاد والمساحة وعدد السكان، فإن ترامب، الداعم للتيارات اليمينية في "الحديقة الخلفية" للولايات المتحدة، تهمّه عودة البرازيل إلى اليمين، على غرار ما حصل في دول أخرى بالمنطقة.وينظر ترامب إلى أميركا الجنوبية من منظار الصراع الأوسع مع الصين، التي نجحت في ترسيخ نفوذها في المنطقة من طريق القوة الناعمة المتمثلة في استثمارات اقتصادية واسعة. والبرازيل عضو في مجموعة "بريكس"، التي تضم أيضاً الصين وروسيا وجنوب أفريقيا، ووسعت عضويتها في العامين الماضيين لتضم شركاء آخرين، ولتغدو قوة اقتصادية أساسية منافسة لأميركا.ويُعدّ "لولا" من أشد المتحمسين للمجموعة والداعين إلى تعزيز الشراكات الاقتصادية بين دولها، وإثبات نفسها قوةً لها كلمتها في النزاعات الدولية، وطريق نحو النهوض بدول الجنوب العالمي.وعلى النقيض، فإن فلافيو بولسونارو، غير متحمّس لانضواء البرازيل في سياسات تتعارض مع السياسات الأميركية. ويؤكد أن "البرازيل تحتاج إلى تغيير، ولم تعد تحتمل كلّ هذه المعاناة، وهذه الضرائب المرتفعة، وهذا العدد الكبير من النساء اللواتي يُقتلن، وهذا القدر من الاضطهاد السياسي" في إشارة إلى الحكم بالسجن على والده بعد إدانته بمحاولة انقلابية.من هنا، تكتسب هوية البرازيل أهمية كبرى في مجرى التنافس بين اليمين واليسار في أميركا اللاتينية، وفي سياق التنافس الدولي المحتدم بين واشنطن وبكين.وإلى أن يقول الشعب البرازيلي كلمته النهائية في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، يراقب ترامب عن كثب إلى أين ستتجه البرازيل، وما إن كان سيحظى بشريك مقرب منه على غرار الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي والرئيس السالفادوري نجيب بوكيلة، أم يبقى "لولا" لولاية أخرى، مع ما يعنيه ذلك من استمرار العلاقات الشائكة مع بلد بهذه الأهمية الإقليمية والدولية على حد سواء.


عدد التعليقات 0
جميع التعليقات المنشورة تعبر عن رأي كتّابها ولا تعبر بالضرورة عن رأي إيلاف
لم يتم العثور على نتائج


شروط النشر: عدم الإساءة للكاتب أو للأشخاص أو للمقدسات أو مهاجمة الأديان أو الذات الالهية. والابتعاد عن التحريض الطائفي والعنصري والشتائم.

في جريدة الجرائد